رؤية القلم في منام كبير السن من الرؤى الهادئة التي يغلب عليها الطابع الرمزي المتصل بالذكريات والخبرة والتعبير. وهي في أصلها لا تحمل ما يدعو إلى الخوف، وتختلف دلالتها بحسب ما يمر به الرائي من أحوال وما يشغل باله في هذه المرحلة. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تُعد خبرًا قاطعًا عن شيء. والمقصود من هذا الشرح عرض احتمالات متعددة تعين على التأمل بهدوء، دون قلق ودون تهويل.
يرمز القلم عند أهل التعبير إلى الكتابة والتعبير والتوثيق والتعلم وتنظيم الأفكار والمراسلة، ويرمز كذلك إلى التأثير بالكلمة والتخطيط وتدوين الذكريات. وهو أداة تحفظ ما يخشى الإنسان أن ينساه، وتنقل التجربة من صدر صاحبها إلى من بعده. فإذا ظهر في منام رجل أو امرأة كبيرة في السن فقد يرتبط بما تحمله الذاكرة من مواقف وخبرات يحب صاحبها أن يرويها. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالرمز واسع ويقبل أكثر من قراءة.
نُسب إلى ابن سيرين أن القلم يدل على الكاتب وصاحب البيان، وأن رؤيته بيد الإنسان قد تشير إلى كلام مؤثر وصلة بأمور العلم والكتابة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القلم يُحمل على اللسان وعلى الرسالة التي تنتقل بين الناس. وتتفاوت الآراء في تفاصيل ذلك، والرموز الأقل شيوعًا مثل تخصيص القلم بحال كبير السن أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يعتمد فيها على الاجتهاد القائم على السياق وحال الرائي.
وسياق الرؤيا يغيّر المعنى، فالقلم الذي يمسكه كبير السن بيد ثابتة وهو مرتاح يختلف عن قلم يتعثر في يده وهو متعب. وينبغي أن يتذكر ما كان يكتبه، هل كان رسالة أو أسماء أبنائه وأحفاده أو قائمة أو سطورًا غير مفهومة، وكيف كان شعوره أثناء ذلك. كما يُنظر إلى ما يمر به في أيامه من مجالس أسرية أو حنين إلى أيام قديمة أو رغبة في ترتيب أموره. وكل قرينة من هذه تقرّب الفهم دون أن تحسمه، ويبقى التفسير ظنيًا.
وإذا رأى كبير السن نفسه يكتب بالقلم بهدوء فقد يُفهم ذلك على أنه انعكاس لرغبته في تدوين تجربته وما تعلمه من الحياة ليبقى نافعًا لأبنائه وأحفاده. وقد يدل المشهد على اهتمامه بترتيب أموره وأوراقه وتنظيم ما يخصه. وإن رأى القلم يتعثر في يده فقد يدل على تعب مؤقت أو حاجة إلى الراحة، ولا يُبنى عليه استنتاج أوسع. ولا يصح اعتبار الحلم وعدًا بشيء أو إخبارًا عن أمر غير ظاهر، فهو صورة رمزية لما في الذهن.
وقد يتصل القلم في منامه بنقل الخبرة، فكثير من كبار السن يحملون في صدورهم قصصًا وتجارب نافعة يتمنون أن يسمعها الشباب. فإذا رأى أنه يكتب مذكرات أو يدوّن أحداثًا من ماضيه فقد يعكس ذلك رغبته في حفظها ونقلها. وإن رأى أنه يعلّم طفلًا الكتابة بالقلم فقد يُحمل على حبه للتعليم وعلاقته الطيبة بالأجيال الأصغر. وهذه قراءات رمزية قريبة تتوقف على واقعه وشعوره ولا تُعمَّم.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في المعنى، فالقلم القديم المألوف قد يوحي بالارتباط بالأيام الماضية، والقلم الجديد قد يوحي باستعداد لتجربة جديدة ولو في أمر بسيط. وإن كانت الكتابة بخط كبير واضح فقد يتصل الأمر بالرغبة في التعبير بوضوح، وإن كانت باهتة فقد يتصل بتعب أو إرهاق مؤقت. وإن رأى أنه يوقّع اسمه فقد يتصل ذلك بأوراق أو ترتيبات يفكر فيها. ولا ينبغي أن تُحمَّل هذه التفاصيل أكثر مما تحتمل.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تشجيعًا لطيفًا على تدوين الذكريات وتسجيل الحكايات العائلية بقلم أو بمساعدة أحد الأبناء أو الأحفاد. والكتابة وسيلة جيدة لتنشيط الذهن وإشغال الوقت بما ينفع، كما أن تدوين المواعيد والأدوية يساعد على التنظيم. وإن لاحظ الرائي ارتعاشًا مستمرًا في يده أو صعوبة متكررة في الكتابة فالأفضل أن يستشير الطبيب. وليس الحلم نصيحة طبية أو تعليمية متخصصة، وإنما هو إشارة رمزية قابلة للتأمل.
ولا بأس أن يسأل الرائي نفسه بعد الاستيقاظ عن الشعور الذي بقي معه من الحلم، فالإحساس بالسكينة أو الضيق يعطي إشارة أصدق من تفاصيل الصورة. فإن كان مرتاحًا فقد يعني ذلك رضاه بما أنجزه في حياته، وإن كان منشغلًا فقد يعني أن في ذهنه أمرًا يود ترتيبه. وكثير من الرؤى تبقى صورتها العامة دون تفاصيل دقيقة، ولا حرج في ذلك، فلا ينبغي أن يُرهق نفسه في تأويل كل خط وسطر.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يستند إلى رموز عامة وما نُقل عن أهل التعبير، وقد يصيب وقد يخطئ. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يمتعه بالعافية والطمأنينة بين أهله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قلق ولا جزم، وإنما يُؤخذ منها ما يعين على صفاء النفس وحفظ الذكريات.
