رؤية قلم الحبر في المنام تستدعي صورة الكتابة المتأنية التي تترك أثرًا واضحًا على الورق. والرؤيا رمزية في طبيعتها، تتأثر بما يشغل الرائي من أفكار وهموم وآمال، ولا ينبغي أن تُعامل كخبر مؤكد. ويختلف فهمها بين رائٍ وآخر بحسب عمله وعلاقاته وأحواله النفسية. ولذلك فكل ما يُذكر هنا تأويلات محتملة تصلح للتأمل وحسب. ويحسن أن تُقرأ بميزان الواقع لا بميزان الخوف أو التمني.
يشير القلم في الرموز العامة إلى التعبير والكتابة والتوثيق والتعلم وتدوين الأفكار والمراسلة والتخطيط، أما قلم الحبر فيزيد على ذلك معنى التأني وبقاء الأثر. فالحبر لا يُمحى بسهولة كما يُمحى الرصاص، فقد يُفهم من ظهوره أن الرائي مقبل على أمر يريد أن يكون فيه واضحًا وثابتًا. وقد يرمز إلى كلمة تُقال أو تُكتب بعد تفكير، أو إلى التزام يُراد توثيقه. وقد يدل كذلك على ذوق في الكتابة وعناية بالمظهر والشكل. وكل ذلك احتمال لا يُقطع به.
نُسب إلى ابن سيرين أن المداد والحبر في المنام يدل على العلم والكتابة وما يُدوَّن من الأمور، وأن سواده قد يُفهم منه معنى الأثر والبقاء. ولا يمكن الجزم بكل ما نُسب إليه، فقد اجتمعت في كتب التعبير روايات كثيرة يصعب تمييز ما صح منها. وإذا أُخذ بهذا النسب فقد يُنظر إلى قلم الحبر بوصفه وسيلة العلم والتعبير الراسخ. ويُستحسن أن يُؤخذ ذلك على سبيل الاستئناس. ويظل المعوَّل عليه حال الرائي وقرائن الحلم.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المداد قد يدل على المال أو العلم أو على أثر يتركه الإنسان فيمن حوله، وأن انسكابه قد يُفهم منه إسراف أو تشويش بحسب الحال. وتختلف الآراء في ذلك، فبعضهم يميل إلى المعنى العلمي، وبعضهم إلى المعنى المعيشي، وبعضهم يتوقف. ومن ثم فإن استعمال قلم الحبر في المنام يُحمل على أكثر من وجه. والأمر اجتهادي ويحتاج إلى النظر في السياق. فلا يصح أن يُحمل الرائي على قول واحد دون غيره.
فإذا كان الحبر ينساب بسلاسة وخط الرائي واضح فقد يُفهم منه وضوح في التعبير وثقة في الفكرة. وإن كان القلم يسرّب الحبر فيلطخ اليد أو الورقة فقد يرمز إلى تشويش أو حرج في عبارة قيلت أو أمر كُتب على عجل. وإن كان الحبر ينفد في منتصف الجملة فقد يدل على إرهاق أو حاجة إلى تجديد الطاقة. وإن كانت الكتابة بالحبر على ورقة نظيفة مرتبة فقد يعبّر ذلك عن عناية وترتيب. وللحالة الشعورية في الحلم أثر في الاختيار بين هذه الوجوه.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطالب قد يرى فيه صورة لاجتهاده في المذاكرة وكتابة إجابات متأنية. وصاحب العمل قد يراه رمزًا لعقد أو وثيقة تحتاج إلى دقة وتوقيع. والمرأة العازبة قد تجد فيه تعبيرًا عن مشاعر وأفكار تريد صياغتها بعناية، وقد ترى المتزوجة فيه تنظيمًا لشؤون البيت وتدوينًا لذكريات الأسرة. والرجل قد يراه صلة بالتزامات مكتوبة أو مراسلات رسمية.
وللحامل والمريض والمسافر وكبير السن وجوه خاصة. فالحامل قد يعكس لها قلم الحبر رغبة في كتابة يوميات الحمل ورسائل لطفلها المنتظر. والمريض قد يرى فيه ميلًا إلى تدوين ما يشعر به بهدوء، ومتابعة حالته الصحية مرجعها الطبيب لا الحلم. والمسافر قد يراه صورة لرسائل ويوميات رحلة تُكتب بخط اليد. وكبير السن قد يجد فيه رغبة في كتابة مذكراته وخبراته بخطه الذي اعتاده.
ومن التفاصيل الدقيقة ما يتصل بحالة الحبر ومكانه. فإن رأى الرائي الحبر يتناثر على ثوب نظيف فقد يرمز ذلك إلى حرج عابر أو كلمة لم تُحسن صياغتها. وإن كان الحبر يُملأ من قارورة صغيرة فقد يدل على تجديد الاستعداد للكتابة واستئناف عمل متوقف. وإن كان القلم قديمًا موروثًا فقد يوحي بتقدير لما خلّفه الآباء من ذكريات وكتابات. وإن كان الورق ناعمًا يتقبل الحبر بيسر فقد يعبّر عن بيئة مناسبة للتعبير عما في النفس.
ومن الزاوية النفسية العملية قد يدعو هذا الحلم إلى التأني قبل كتابة ما له أثر باقٍ. فمن كان على وشك إرسال رسالة مهمة أو توقيع ورقة رسمية فالأفضل أن يراجعها مرة بعد مرة، وأن يستشير مختصًا في الأمور القانونية عند الحاجة، فالحلم ليس نصيحة قانونية ولا طبية متخصصة. وقد يفيد أيضًا أن يعود الرائي إلى الكتابة بخط اليد في دفتر شخصي لترتيب أفكاره وتهدئة ذهنه. وإذا كان يعاني ارتعاشًا في اليد أو صعوبة مستمرة في الكتابة فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا. ولا بأس بأن يدوّن الرائي ما شعر به بعد الحلم ليقارنه بواقعه.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وجهًا ولا يصيب آخر. ويحسن بمن رأى هذه الرؤيا أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به، وأن يمضي في شأنه بهدوء وتوكل. ولا ينبغي أن يُبنى على الحلم قرار كبير دون مشورة وتدبر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا هنا إلا مادة للتأمل.
