من رأى في منامه أن قلمه ضاع منه وهو يبحث عنه، فقد تتصل رؤياه بقلق من التشتت أو من ضياع فرصة أو بحاجة إلى ترتيب الأولويات. الرؤيا في أصلها صور رمزية تتأثر بما يشغل الإنسان في يقظته، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. ولذلك فإن ما يُذكر هنا قراءات محتملة للتأمل، لا قرارات مقطوعًا بها. ويبقى لحال الرائي وما يمر به أثر كبير في ترجيح المعنى الأقرب. وفي ما يلي عرض هادئ لأوجه التفسير المحتملة وفق ما قاله المعبرون وما يوافق الواقع.
يرمز القلم في المنام عمومًا إلى التعبير والكتابة والتوثيق والتعلم والأفكار والمراسلة والتخطيط. وفقدانه يوحي بأن الرائي يشعر بأنه فقد أداة مهمة يحتاجها لإتمام عمل أو التعبير عن فكرة. وقد يشير إلى تشتت في الأولويات أو إلى ضياع خطة لم تُدوَّن جيدًا. وقد يدل أيضًا على انشغال بتفاصيل صغيرة حجبت عنه الصورة الكبيرة. ولا يصح الجزم بوجه واحد من هذه الوجوه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن فقدان أدوات الصنعة في المنام قد يدل على نقص في سبب من أسباب الرائي أو تعطل في أمر يعتمد عليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ضياع ما يُستعان به في الكتابة قد يُقرأ على أنه ضياع فرصة أو تأخر في إنجاز. ويرى بعض المعبرين أن الأمر قد لا يتجاوز كونه تعبيرًا عن الانشغال والنسيان المعتاد. وتختلف الآراء، والأولى أن يأخذ الرائي ما يلائم واقعه على سبيل الاستئناس.
للسياق أثر كبير في الفهم. فإن فقد القلم في مكان عام وسط الزحام، فقد يعكس شعورًا بالضياع وسط التزامات كثيرة. وإن فقده في بيته، فقد يرتبط بانشغال بأمور شخصية أو أسرية. وإن كان القلم مهمًا له أو يحمل ذكرى، فقد تعكس الرؤيا خوفًا من فقدان شيء عزيز. أما إن لم يكترث لفقده، فقد يدل على تخفف من وسيلة أو عادة لم تعد ضرورية.
بالنسبة إلى الطالب، قد تدل الرؤيا على قلق من ضياع وقت المذاكرة أو من نسيان مادة أو ورقة مهمة. وقد تكون دعوة إلى ترتيب جدول واضح للمراجعة. وبالنسبة إلى الموظف، قد تشير إلى خوف من تفويت موعد أو من فقدان ملف أو تعليقات دونها على عجل. وبالنسبة إلى صاحب العمل، قد تعكس رغبة في توثيق أموره بصورة أنظم. وكل ذلك يتوقف على الواقع، فالرؤيا نفسها قد تحمل معنى مختلفًا عند شخصين بحسب ما يشغل كلًا منهما من هموم وانشغالات وما يمر به من ظروف.
وللمرأة قد تعني الصورة شعورًا بأن مهامها تتزاحم حتى ضاع منها ما كانت تخطط له، وقد تعبّر عن حاجتها إلى ترتيب الوقت والاستعانة بمن حولها. وللرجل قد تتصل بانشغال بأمور كثيرة يخشى معها أن يفوته أمر مهم. وللشاب قد تقترب من حيرة في اختيار الوجهة. وللمتقدم في السن قد تعكس مخاوف من النسيان تحتاج إلى تدوين وتنظيم. وتبقى هذه الاحتمالات مفتوحة وغير ملزمة.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها. فمكان الفقدان يعطي قرينة، فالضياع في الطريق قد يوحي بتنقل وانشغال، وفي المدرسة بالتحصيل، وفي المكتب بالعمل. وكذلك طول البحث، فالبحث القصير الذي ينتهي بسرعة يوحي بمشكلة صغيرة، والبحث الطويل المرهق قد يعكس قلقًا متراكمًا. ونوع القلم مهم، فالقلم الغالي قد يوحي بخوف من خسارة قيمة. وإن وجد الرائي القلم في نهاية المنام فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر قابل للتدارك.
من الناحية النفسية، تظهر هذه الصورة كثيرًا عند من يشعرون بضغط الوقت أو بكثرة المطالب، فيتجسد قلقهم في صورة أداة ضائعة. وقد تكون دعوة لطيفة إلى أن يخصص الإنسان مكانًا ثابتًا لأغراضه وأن يدون مهامه أولًا بأول. ومن المفيد أن يحدد الرائي ثلاثة أمور مهمة فقط في كل يوم، فذلك يقلل الشعور بالضياع. كما أن التنفس بهدوء وأخذ فترات راحة يعين على صفاء الذهن. وليست الرؤيا نصيحة طبية أو قانونية متخصصة.
ويفيد الرائي أن يراجع ما جرى في يومه قبل النوم، فربما ضاع منه شيء حقيقي أو كان يخشى أن يضيع، فانعكس ذلك في المنام. وإذا تكررت الرؤيا فقد تكون إشارة إلى أن موضوع التنظيم يشغل ذهنه أكثر مما ينبغي. وليس في تكرارها ما يدعو إلى الخوف، بل هو دعوة إلى ترتيب بسيط. ويكفي أن يعيد ترتيب مكتبه وحقيبته ومواعيده ليشعر بالراحة، وأن يجعل لأقلامه وأوراقه مكانًا ثابتًا يعود إليه كل مرة، فالنظام البسيط كثيرًا ما يخفف القلق.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قابل للخطأ والاختلاف، وليس جزمًا بما سيقع ولا وعدًا بنتيجة محددة. فمن رأى هذه الرؤيا فليتلقها بهدوء، وليدعُ الله بالخير، وليحسن الظن به، وليمضِ في تنظيم أموره بروية. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا إلا الاستئناس والتأمل.
