رؤية الكتابة على الجدار في المنام صورة تجمع بين فعل التعبير ومكان ظاهر يراه الناس. والرؤيا رمزية في طبيعتها، تتأثر بما يشغل الإنسان من أفكار ومشاعر وعلاقات، ولا تُعد خبرًا جازمًا بما سيقع. وهي صورة من صور الأحلام تُفهم بحسب حال الرائي، دون أن تُحمل على معنى غيبي أو رسالة خفية. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وأن تُعد احتمالات للتأمل فقط. وما يرد بعد ذلك اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
الكتابة في الرموز العامة تشير إلى التعبير والتوثيق والتعلم والمراسلة والتخطيط، والجدار يرمز إلى الحاجز والحماية وإلى سطح ظاهر يراه من يمر به. فقد يدل المشهد على رغبة في إعلان رأي أو شعور بصورة ظاهرة. وقد يرمز إلى تذكير يضعه الرائي أمام عينيه ليعمل به. وقد يعبّر عن حاجة إلى التعبير عما في النفس بعد كتمان طويل. وقد يشير كذلك إلى انشغال بأمر يتصل بالبيت أو بالمكان الذي يعيش فيه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار في المنام قد يدل على الحماية أو على الرجل الذي يستند إليه أهل البيت أو على ما يحيط بالمرء من أمر، بحسب حاله. ولا يمكن الجزم بنسبة كل ما يُروى في هذا الباب إليه، فقد تداخلت الأقوال في كتب التعبير عبر القرون. وإذا أُخذ بهذا النسب مع معنى الكتابة فقد يُحمل المشهد على تعبير يتصل بالبيت أو بما يحيط بالرائي من علاقات وأمور. ويظل هذا الفهم ظنيًا يُذكر للاستئناس. وعلى الرائي أن يوازن بينه وبين قرائن رؤياه.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجدران تدل على الحماية والحدود وما يفصل بين الناس، وأن حالها من الصلاح أو الخراب يُفهم منه حال صاحبها. وتختلف الآراء في تنزيل ذلك على الكتابة عليها، فمن المعبّرين من يراها إعلانًا أو تذكيرًا، ومنهم من يراها تعبيرًا عن أمر مكتوم، ومنهم من يتوقف. وهذا الاختلاف يدل على أن الأمر اجتهادي. ولذلك لا ينبغي الجزم بوجه واحد. ويبقى للسياق وحال الرائي الدور الأكبر.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الرائي يكتب على لوحة معلقة على الجدار فقد يُفهم منه تنظيم وتذكير مرتب. وإن كان يكتب على جدار بيته فقد يرتبط الأمر بشؤون الأسرة والمكان. وإن كان يكتب على جدار في الطريق فقد يعبّر عن رغبة في أن يُسمع صوته أو يظهر رأيه. وإن كان يشعر بالحرج أو الخوف من أن يراه أحد فقد يدل على قلق من التعبير العلني. وإحساس الرائي أثناء الحلم من أهم القرائن.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطالب قد يرى فيه صدى لتعليق جدول المذاكرة أو أوراق المراجعة أمام عينيه. وصاحب العمل قد يراه صورة لإعلان أو لوحة مهام أو اجتماع. والمرأة العازبة قد تجد فيه تعبيرًا عن رغبة في إظهار رأي أو شعور كتمتهما، وقد ترى المتزوجة فيه صلة بتدبير جدول البيت وتعليق مواعيده. والرجل قد يراه مرتبطًا بتعبير عن موقف أو بأمر يتعلق بمسكنه أو عمله.
وللحامل والمريض والمسافر وكبير السن أوجه خاصة. فالحامل قد يعكس لها المشهد رغبة في تعليق جدول للترتيبات والمواعيد القريبة. والمريض قد يرى فيه ميلًا إلى تعليق مواعيد الدواء والمراجعة أمامه، والمرجع في شأن صحته هو الطبيب. والمسافر قد يراه صورة لإعلانات وإرشادات ظاهرة في الطريق. وكبير السن قد يستحضر به جدران بيت قديم عاش فيه وذكريات مرتبطة به.
ومن التفاصيل التي قد تغيّر الفهم لون الجدار وما يُكتب عليه. فإذا كان الجدار أبيض نظيفًا فقد يوحي بصفحة بيضاء تنتظر التعبير الواضح. وإذا كان قديمًا متشققًا فقد يرتبط بأمر يحتاج إلى إصلاح أو عناية. وإن كانت الكتابة كبيرة ظاهرة فقد ترمز إلى رغبة في لفت الانتباه، وإن كانت صغيرة خفية فقد ترمز إلى حذر وتحفظ. وإن كان الرائي يمحو ما كتبه عن الجدار فقد يدل على ندم عابر أو مراجعة لرأي.
ومن الزاوية النفسية العملية قد يكون هذا الحلم دعوة إلى التعبير عن النفس بطريقة مناسبة وهادئة. فمن كتم أمرًا طويلًا فقد ينفعه أن يكتبه أولًا في دفتر خاص ثم يختار الوقت والأسلوب اللائقين لعرضه. ويمكن للرائي أن يضع تذكيرًا مكتوبًا لأهم هدف أمام عينيه، كلوحة صغيرة على مكتبه. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا قانونية متخصصة. وإذا كان يعاني ارتعاشًا في اليد أو صعوبة مستمرة في الكتابة فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب بعض الوجوه ويفوته بعضها. ويحسن بمن رأى هذه الرؤيا أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به، وأن يمضي في شؤونه بهدوء وتوكل. ولا ينبغي أن يُبنى على الحلم قرار مهم دون مشورة وتدبر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا هنا إلا مادة للتأمل.
