حين ترى في منامك طائرة تحلق فوق الغيوم فإنك ترى مشهدًا يجمع بين العلو والصفاء والاتساع، فما تحت الطائرة غيوم كثيفة وما فوقها سماء صافية. وقد يستيقظ الرائي وفي نفسه شعور بالسكينة والاتساع. والرؤيا لغة رموز لا تُحمل على ظاهرها، وهي تعبر عن مشاعر وتطلعات وأحوال يعيشها الإنسان. وما يأتي قراءة عامة محتملة، تحتمل الصواب والخطأ، وليس خبرًا بما سيقع.
الطائرة ترمز في العموم إلى الطموح والارتفاع والانتقال السريع بين المراحل والفرص والتغيير. والغيوم قد ترمز إلى ما يحجب الرؤية من تفكير مشوش أو ظروف غير واضحة أو انشغالات كثيفة. فإذا علت الطائرة فوقها فقد يدل ذلك على تجاوز مرحلة كانت ملبدة بالحيرة إلى مرحلة أصفى وأوضح، أو على قدرة الرائي على النظر إلى أموره من فوق ما يشوشها. وقد تعبر عن شعور بالارتياح بعد جهد، أو برغبة في الخروج من أجواء ثقيلة. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الغيم في الرؤى قد يدل بحسب حاله على ما يحجب أو يغطي وعلى ما يأتي بعده من انكشاف، وأن العلو عنه قد يحمل معنى تجاوز العوائق في بعض الأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يعلو في الجو من وسائل وما يرتفع فوق السحاب قد يدل على علو مطلب أو منزلة بحسب هيئة الرائي وما يقترن به. والطائرة لم تكن موجودة في زمنهما، فما يُنقل عنهما في الغيم والارتفاع والسفر يُقاس عليه قياسًا، ويقع في هذا القياس اختلاف بين أهل التعبير. فلا يصح أن يُنسب إليهما تفسير صريح للطائرة فوق الغيوم. وإنما يؤخذ منهما اعتبار الغيم والعلو والقرائن.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإن كانت الغيوم بيضاء ناعمة تحتها والسماء صافية فوقها فقد يعبر ذلك عن صفاء وراحة نفسية بعد ضغط. وإن كانت الغيوم داكنة وكثيفة فقد يدل على ما كان ثقيلًا ثم تجاوزه الرائي أو يطمح إلى تجاوزه. وإن كانت الطائرة تخرج من بين الغيوم إلى الصفاء فقد يرمز ذلك إلى انتقال من حيرة إلى وضوح. وإن بقيت بينها دون خروج فقد يشير إلى مرحلة ما زالت تحتاج إلى صبر. والشعور بالسكينة أو التوتر قرينة أساسية.
إذا كانت الرائية عزباء فقد تشير الطائرة فوق الغيوم إلى وضوح في قرار كانت متحيرة فيه، أو إلى ارتياح بعد مرحلة قلق من الدراسة أو العمل أو المستقبل. وقد تعبر عن رغبة في ألا تتأثر بكلام الآخرين الذي يشوش عليها. أما المتزوجة فقد ترمز عندها إلى هدوء بعد توتر أسري عارض، أو إلى رغبة في الارتفاع عن الخلافات الصغيرة والنظر إلى الصورة الأكبر. وقد تدل على حاجة إلى فسحة من الصفاء. وكل ذلك قراءة محتملة.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تشير الطائرة فوق الغيوم إلى خروج من مرحلة ضبابية في عمله أو قراره أو شؤونه، أو إلى وضوح بعد استشارة وتفكير. وقد يراها من تشتت بين خيارات كثيرة ثم استقر على اتجاه. وقد يراها طالب بعد فترة امتحانات وضغط حين يتنفس الصعداء. وقد تدل عند من أرهقته الأخبار والانشغالات على رغبة في صفاء ذهني. والمعول عليه حال الرائي وما يعيشه.
للتفاصيل أثر، كلون الغيوم وكثافتها، وهل كانت السماء فوقها زرقاء أم وردية بأنوار الشروق أو الغروب، وهل كان يرى الأرض تحتها من خلال فتحات. فرؤية الأرض بين الغيوم قد توحي بأن الصلة بالواقع لم تنقطع، والغيوم المتصلة قد توحي بانفصال مؤقت عن الأحداث. ويُنظر كذلك في هدوء الرحلة وفي من معه، وفي مشاعره عند النظر إلى الأسفل. ويحسن تدوين هذه التفاصيل بعد الاستيقاظ.
من الناحية العملية والنفسية قد تدعو الصورة إلى البحث عن مساحة هادئة يرتب فيها الرائي أفكاره بعيدًا عن الضجيج. ويفيد أن يخصص وقتًا للتأمل أو للكتابة أو للمشي حتى يتضح له ما يريد. وإذا كان الارتفاع أو السفر يثير في نفسه القلق فيمكنه أن يتدرب على التنفس الهادئ وأن يتحدث مع شخص يثق به. والحلم ليس نصيحة طبية أو قانونية أو مالية، فلا يُبنى عليه قرار في هذه الأمور. ومن كان خوفه من الطيران شديدًا ومستمرًا فالأفضل أن يتكلم مع مختص أو أحد أهله.
ومما يفيد في فهم هذا المنام أن يتذكر الرائي أن الصفاء فوق الغيوم لا يلغي وجود الأرض تحتها. فالنظرة العالية تساعد على الفهم، لكن القرارات تتخذ بين الناس وفي الواقع، ولذلك لا بد من العودة إلى التفاصيل. وقد تكون الصورة دعوة إلى الجمع بين الصفاء الذهني والعمل الميداني. ويبقى المعنى مرتبطًا بواقع الرائي ولا يُقتصر فيه على الصورة وحدها.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا بما سيكون. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو ربه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يشرح صدره ويوضح له سبيله. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُعلق على المنام وعد مضمون بسفر أو نجاح. وليمضِ الرائي في يومه مطمئنًا، مستعينًا بالله في أمره.
