رؤية أطفال يلعبون أو يجلسون عند النهر من المشاهد التي تحمل بهجة وبراءة، وقد يتساءل الرائي عن معناها بعد استيقاظه. ينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تخبر بحدث بعينه ولا تُلزم أحدًا بشيء، وإنما تعبر عن صور تتلون بحال الرائي وما يمر به. وما يُذكر في هذا المقال احتمالات تأويلية يُستأنس بها ولا يُجزم بها. والأنفع أن يقابل الرائي بينها وبين واقعه بهدوء.
النهر في الرؤى رمز للجريان والرزق المتدفق والتغير، والأطفال رمز للبراءة والبدايات والأمل والفرح والحياة المتجددة، وقد يرمزون أيضًا إلى أمور صغيرة في بدايتها تنمو بالرعاية. فإذا ظهر الأطفال عند النهر فقد يُفهم ذلك على أنه صورة لخير جديد ينمو في مجرى الحياة، أو لفرح بسيط وسط الانشغال، أو لحاجة الرائي إلى أن يعيد إلى نفسه بعضًا من البساطة. وهذا فهم عام يتعين ضبطه بتفاصيل المشهد وحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الصبيان أن الصبي قد يدل على فرح أو على همّ خفيف بحسب حاله، وأن الصبيان الأصحاء الضاحكين أقرب إلى الخير والبشرى. ولا يظهر من المتداول أن الأطفال عند النهر بخصوصهم نالوا بابًا مستقلًا في الكتب المشهورة، فالأقرب أن دلالتهم تُستنبط بالقياس. وهذا من الرموز الأقل شيوعًا، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيحسن أخذ ما يُنقل بحذر وبنظرة متزنة.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الأطفال في مواضع طيبة قد تدل على سرور وبشرى، وأن حالهم يدل على حال ما يتعلق بهم من أمور صغيرة تنمو. واختلف المعبرون في التفصيل، فبعضهم ربط الأطفال بالأولاد الحقيقيين وبعضهم بالمشاريع الناشئة وبعضهم بالبراءة الداخلية للرائي. وهذا الاختلاف طبيعي، فالتأويل يتبع حال الرائي ولا يقوم على قاعدة جامدة. فالأحسن جمع الاحتمالات دون الجزم.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الأطفال يلعبون بسرور على ضفة آمنة والماء صافيًا هادئًا فالدلالة أقرب إلى فرح وطمأنينة ونماء، وإذا كان الرائي قلقًا عليهم قرب الماء فقد يُحمل ذلك على حرصه ورعايته وعلى مسؤوليته تجاه من يعول. وإذا كان الرائي يلعب معهم فقد يُفهم على أنه حنين إلى بساطة الطفولة وحاجة إلى المرح، وإذا كان يراقبهم من بعيد فقد يشير إلى متابعة هادئة لما ينمو. وإذا كانوا يجمعون الحصى أو الأصداف فقد يوحي بفرح بأمور صغيرة.
إذا رأت المرأة العزباء أطفالًا عند النهر فقد يُحمل ذلك على أمل متجدد وبشرى هادئة، أو على حنين إلى الأمومة والأسرة، أو على رغبة في بداية جديدة تحمل الفرح، بقدر ما تسمح به ظروفها. وإذا كان المشهد جميلًا فالمعنى أقرب إلى التفاؤل. وأما المرأة المتزوجة فقد يشير الأطفال عندها إلى أولادها الحقيقيين وأحوالهم، فالأطفال الفرحون في الماء الصافي قد يعكسون طمأنينة، وهو في الغالب انعكاس لانشغال القلب بهم. وهذه كلها معان ظنية.
وأما الرجل فقد يرى في الأطفال عند النهر صورة لأولاده أو لمشاريعه الناشئة التي تحتاج إلى رعاية، فالأطفال الفرحون قد يوحون ببشرى ونماء، والقلق عليهم قد يوحي بحرص مشروع. وأما الحامل فقد تحمل الرؤيا عندها شعورًا بالأمل والحنان والتفكير في مولودها، ولا يُفهم منها شيء عن جنس المولود أو حالة الحمل. والحلم ليس نصيحة طبية ولا تشخيصًا، وأي مرض أو أعراض جسدية يُرجع فيها إلى الطبيب المختص وحده. فيؤخذ من الحلم جانبه المعنوي فقط.
للتفاصيل الدقيقة قيمتها، فعدد الأطفال وأعمارهم وما يفعلونه من لعب أو جمع أو صيد أو رسم على الرمل، وملابسهم ومزاجهم وبعدهم أو قربهم من الماء كلها قرائن. فضحكهم قد يوحي بفرح قريب، وانشغالهم باللعب قد يوحي ببساطة وسكينة، وبناؤهم قصورًا من الرمل قد يوحي بأحلام صغيرة تحتاج إلى متابعة. وإذا كان بينهم طفل يعرفه الرائي فقد يُفهم على أنه يتعلق بشأن ذلك الطفل أو بمعنى يمثله. وإذا غنوا فقد يشير إلى بشرى.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعبر الرؤيا عن حنين الرائي إلى براءة الطفولة، أو عن انشغاله بأولاده وتربيتهم، أو عن رغبته في المرح بعد جد طويل. ويمكنه أن يسأل نفسه متى لعب آخر مرة وضحك من قلبه، وهل يمنح أبناءه وقتًا كافيًا. ويفيد أن يخصص وقتًا لنزهة قريبة آمنة مع الأسرة، على أن يظل الأطفال دائمًا تحت إشراف الكبار قرب الماء في الواقع. ولا ينبغي أن يُبنى قرار مصيري على رؤيا وحدها.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. والأولى أن يُحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو بأن يجعل الله ما رُئي خيرًا وأن يحفظ الأولاد ويبارك فيهم ويرزق الفرح. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه. فمن أحسن العمل وأحسن الظن فقد أدى ما عليه.
