قد يرى الإنسان النهر في منامه مرة بعد مرة على فترات متقاربة أو متباعدة، فيتساءل لماذا تتكرر الصورة. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تتألف من المشاعر والصور المخزونة والأفكار، وليست خبرًا حرفيًا عن واقع. وتكرار الحلم لا يعني بالضرورة أمرًا خطيرًا أو إشارة جازمة، فالعقل يعود أحيانًا إلى صور مألوفة تعبّر عما يشغله. ويتغير المعنى بحسب تفاصيل كل مرة وشعور الرائي. ولذلك تُقرأ الصورة بتأنٍّ وبلا جزم.
النهر في الرمزية صورة للجريان والرزق المتدفق والتغيّر المتدرج والعبور بين مرحلتين. وتكراره قد يعبّر عن أن هذه المعاني حاضرة في ذهن الرائي حضورًا قويًا، كأن يكون في مرحلة انتقال أو انتظار أو تفكير في تغيير. وقد يعبّر عن حاجة النفس إلى الانتباه لأمر ما لم يُحسم بعد. وقد يكون مجرد تكرار لصورة أحبها الرائي أو ارتبطت بذاكرة طيبة. وكل ذلك احتمالات تتبدل بالسياق ولا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن النهر قد يدل على خير وسعة إذا كان صافيًا، وعلى كدر أو انشغال إذا كان عكرًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنهار تتصل بالأرزاق والمنافع وأحوال الناس، وأن للعبور فيها معنى تجاوز أمر ثقيل. واختلف المفسرون في تفاصيل ذلك ولم يجمعوا على قاعدة واحدة. أما تكرار الرؤيا نفسها بخصوصه فهو من الأمور الأقل تفصيلًا في الكتب القديمة، فيغلب فيه الاجتهاد من العموم. فتؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا لليقين.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا تكرر الحلم بصورة هادئة صافية والرائي مرتاح، مال المعنى إلى استقرار في الشعور وانشغال هادئ بمرحلة قادمة. وإذا تكرر بصورة متوترة مع قلق، فقد يعكس ذلك أمرًا يشغل الرائي ويحتاج إلى حل في الواقع. وأوقات التكرار ومواضع النهر وما حدث في الأيام السابقة تدخل في القراءة. وما كان يفكر فيه قبل نومه يلوّن كل مرة. فالقراءة تجمع الصورة والشعور وظروف الحال.
يختلف المعنى قليلًا باختلاف الرائي. فللمرأة المتزوجة قد يتصل التكرار بانشغال دائم بشؤون بيتها وأسرتها، وللعزباء بتفكير مستمر في خطوة مقبلة. وللرجل قد يتصل بانشغال متواصل بعمله ومعاشه، وللحامل بتفكير متكرر في مرحلة قادمة، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية. وللمطلقة والأرملة قد يعبّر عن انشغال النفس بإعادة ترتيب الحياة. وكلها قراءات احتمالية لا تُفرض على أحد.
وللشاب والطالب والتاجر والمسافر معانٍ قريبة. فالشاب قد يعبّر التكرار عن طموح يشغل باله، والطالب عن انشغال دائم بمرحلة دراسية، والتاجر عن تفكير متكرر في خطة عمل. وللمسافر قد يعبّر عن ترقب رحلة أو غربة. وللمريض والمهموم قد يعكس انشغال النفس بما يثقلها، والمتابعة الطبية هي المرجع في أمر الصحة. ويبقى تقدير ما يناسب كل حال لصاحبها.
التفاصيل الدقيقة تغيّر الصورة. فإن تكرر الحلم بالتفاصيل نفسها فقد يعبّر عن فكرة ثابتة في الذهن، وإن اختلفت التفاصيل في كل مرة فقد يعبّر عن موضوع واحد تتنوع صوره. وإن تحسنت الصورة مع الوقت فقد يعكس ذلك تحسنًا في الشعور، وإن اشتدت فقد يعكس تراكم القلق. ولا تعني هذه التفاصيل قاعدة ثابتة، فهي إشارات ظنية.
من الجانب النفسي، تتكرر الأحلام غالبًا حين يشغل الإنسان موضوع لم يجد له مخرجًا في وعيه، أو حين يمر بمرحلة ضغط أو تغيير. ويفيد أن يدوّن الرائي أحلامه وما كان يفكر فيه قبل النوم ليكتشف الرابط بينها. كما يفيد تنظيم النوم وتقليل المنبهات والأخبار المقلقة في المساء. وإن كان التكرار مزعجًا يؤثر في راحته فالكلام مع شخص موثوق أو مختص نفسي خطوة حسنة. وهذه الأمور الواقعية أنفع من تفسير كل مرة على حدة.
ولا يحسن أن يبني الرائي قرارًا على رؤيا واحدة ولو تكررت، ولا أن يعدّ التكرار دليلًا جازمًا على أمر. فالقرارات تُبنى على الواقع والمشورة والتخطيط. وإن كانت الصورة حسنة فليحمد الله ويستبشر بلا مبالغة، وإن كانت مقلقة فلا داعي لإطالة التفكير فيها. وله أن يحكي ما رأى لمن يثق بحسن فهمه ورفقه. وبهذا يبقى الحلم في موضعه الطبيعي.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح عدّه خبرًا مؤكدًا عن الغد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قدّره لعبده فهو الأصلح له وإن خفي سببه. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالتوفيق والطمأنينة وصلاح الحال، وأن يحسن الظن بالله في كل ما يأتي. ثم يمضي في يومه بقلب هادئ وتوكل صادق.
