قد يرى الإنسان في منامه نهرًا يتحول إلى مطر ينزل من السماء، أو يرى الماء الجاري يرتفع ويتبدل إلى قطرات تهطل عليه. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تتألف من المشاعر والصور المخزونة والأفكار، وليست خبرًا حرفيًا عن واقع. فتحول الشيء إلى غيره أمر مألوف في الأحلام، وكلا الصورتين ماء يتبدل شكله. ويتغير المعنى بحسب صفاء الماء وهدوء المطر وشعور الرائي وهو يشاهد هذا التحول. ولذلك تُقرأ الصورة بتأنٍّ وبلا جزم.
النهر في الرمزية صورة للجريان والرزق المتدفق والتغيّر المتدرج والعبور بين مرحلتين. والمطر في الرمزية صورة للنزول من الأعلى والتجدد والانتعاش. وتحول أحدهما إلى الآخر قد يعبّر عن تبدل صورة الأسباب من جريان أرضي مستمر إلى نزول عام يعمّ المكان، أو عن تجدد في الحال بعد استمرار. وقد يعبّر عن انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخف وأرحب. وكل ذلك احتمالات تتبدل بالسياق ولا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن النهر قد يدل على خير وسعة إذا كان صافيًا، وأن المطر الهادئ قد يدل على نفع عام وتيسير، وأن الشديد منه قد يدل على انشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنهار تتصل بالأرزاق والمنافع، وللمطر معنى قريب من ذلك مع شمول أوسع. واختلف المفسرون في تفاصيل ذلك ولم يجمعوا على قاعدة واحدة. أما تحول النهر إلى مطر فمن الرموز الأقل شيوعًا، وهو أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيه الاجتهاد من العموم. فتؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا لليقين.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان المطر هادئًا والماء صافيًا والرائي مرتاح، مال المعنى إلى انتعاش وتجدد وسعة في الأحوال. وإذا كان المطر شديدًا مزعجًا والرائي متوتر، فقد يعكس ذلك ضغطًا من أمور كثيرة تنهمر عليه دفعة واحدة. ومكان الرائي ووجود مأوى قريب ووقت النهار تدخل في القراءة. وما كان يفكر فيه قبل نومه من أحوال متجددة يلوّن الصورة. فالقراءة تجمع الصورة والشعور وظروف الحال.
يختلف المعنى قليلًا باختلاف الرائي. فللمرأة المتزوجة قد يتصل التحول بتجدد أجواء بيتها وانتعاش أحوالها، وللعزباء بتجدد في طريقها وأفكارها. وللرجل قد يتصل بتجدد في عمله ومعاشه، وللحامل بشعور بالانتعاش والتجدد في مرحلة تنتظرها، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية. وللمطلقة والأرملة قد يعبّر عن غسل هادئ للثقل وبداية جديدة. وكلها قراءات احتمالية لا تُفرض على أحد.
وللشاب والطالب والتاجر والمسافر معانٍ قريبة. فالشاب قد يعبّر التحول عن موجة أفكار وفرص جديدة تهطل عليه، والطالب عن انتعاش في الفهم بعد جفاف، والتاجر عن تبدل في صورة الأسباب. وللمسافر قد يعبّر عن تغير في الجو والطريق يحتاج إلى ترتيب. وللمريض والمهموم قد يعكس رغبة في الانتعاش والتخفف، والمتابعة الطبية هي المرجع في أمر الصحة. ويبقى تقدير ما يناسب كل حال لصاحبها.
التفاصيل الدقيقة تغيّر الصورة. فالمطر الخفيف الناعم يوحي بهدوء وانتعاش، والمطر الغزير يوحي بوفرة أو بضغط بحسب شعور الرائي، والرذاذ يوحي بلطف. وإن كان النهر يتصاعد بخارًا إلى السماء فقد يعبّر عن دورة ماء وتجدد، وإن تحول فجأة فقد يعبّر عن تبدل سريع في الأحوال. وإن بلله المطر وهو مرتاح فقد يعكس ذلك قبولًا للتغيير. ولا تعني هذه التفاصيل قاعدة ثابتة، فهي إشارات ظنية.
من الجانب النفسي، قد يعكس الحلم رغبة في التجدد، أو شعورًا بأن ما كان يتحرك في اتجاه واحد صار يأتي من اتجاهات متعددة. وهذا شعور مألوف حين تتبدل ظروف الإنسان. ويفيد أن يرحب الرائي بالتغيير الإيجابي ويستعد للتغيير المرهق، وأن يحتفظ بوقت يرتب فيه أفكاره. فالأحلام تتأثر بتبدل الأيام وتخف كلما اتضحت الأمور. وهذه الأمور الواقعية أنفع من تحليل الصورة.
ولا يحسن أن يبني الرائي قرارًا على رؤيا واحدة، ولا أن ينتظر تحقق الصورة دون عمل. فالقرارات تُبنى على الواقع والمشورة والتخطيط. وإن كانت الصورة حسنة فليحمد الله ويستبشر بلا مبالغة، وإن كانت مقلقة فلا داعي لإطالة التفكير فيها. وله أن يحكي ما رأى لمن يثق بحسن فهمه ورفقه. وبهذا يبقى الحلم في موضعه الطبيعي.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح عدّه خبرًا مؤكدًا عن الغد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قدّره لعبده فهو الأصلح له وإن خفي سببه. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالبركة والتجدد وصلاح الحال، وأن يحسن الظن بالله في كل ما يأتي. ثم يمضي في يومه بقلب مطمئن وتوكل صادق.
