يشتكي بعض الناس من تكرار رؤية الملح في منامهم مرات متعددة، فتعود الصورة نفسها أو صور متقاربة ليالي أو أسابيع، فيتساءلون عن سبب هذا التكرار وهل له دلالة خاصة. والحقيقة أن تكرار الأحلام ظاهرة معروفة، وقد يكون لها أسباب نفسية أو جسدية أو شواغل متكررة في الذهن. ولا يعني التكرار بالضرورة أن في الأمر نبوءة، ولا ينبغي أن يزيد في القلق. وما نذكره هنا استئناس رمزي يعين على التأمل فقط.
الملح في موروث الرؤى يرتبط بالاعتدال الذي يقيم طعم الأشياء، وبالعشرة والصحبة والمودة، وبالحفظ والبقاء، وقد يرتبط بالمرارة والكلفة إذا زاد. فإذا تكرر ظهوره فقد يعني عند من يتأمل أن الذهن مشغول بأحد هذه المعاني، كأن يفكر الرائي في علاقة قديمة أو في توازن مصروفه أو في كلمة قيلت له. فالتكرار قرينة نفسية تدل على موضوع يحتل مساحة من التفكير، لا على غيب محجوب.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه أن الرؤيا المتكررة قد تكون من حديث النفس، وأن ما يشغل الإنسان في يقظته ينعكس في منامه، وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى نحو ذلك. وهذا المعنى مشهور عند أهل العلم بالرؤى، إذ يفرقون بين الرؤيا الصادقة والحلم من الشيطان وحديث النفس. ولا يمكن لإنسان أن يجزم بنوع رؤياه على وجه اليقين، فكل ذلك محل نظر. ويختلف المفسرون في تحديد علامات كل نوع، والأحوط ألا يتعجل الإنسان.
ويتغير المعنى بحسب ما يصاحب التكرار، فإن كان الملح يظهر في كل مرة بصورة هادئة معتدلة فقد يكون انعكاساً لطمأنينة وألفة مع شيء ما. وإن كان يظهر في كل مرة بصورة كثيرة مزعجة فقد يكون تعبيراً عن ضغط أو مرارة تتكرر في الذهن. وإن كانت الصور تتغير مع بقاء الملح فقد يكون الأمر دعوة إلى تأمل مرحلة من الحياة. والأهم هو شعور الرائي أثناء الحلم وبعده.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس التكرار انشغالاً بمعاني الصحبة والمودة، أو بذكرى مرتبطة بالمائدة والأسرة، أو بكلمة سمعتها وتتردد في ذهنها. ولا يعني ذلك حدثاً قريباً أو بعيداً بعينه. وللمرأة المتزوجة قد يعكس انشغالاً بتدبير البيت أو بعلاقة مع الزوج أو الأهل، وللحامل قد يرتبط بتغيرات الطعم والاشتهاء التي كثيراً ما تعطي أحلاماً متكررة عن الطعام.
وللرجل قد يرتبط التكرار بانشغاله بالمال والعمل وتدبير الرزق أو بعلاقة يخشى على صفائها، وللتاجر قد يرتبط بمراجعة أرباحه وخسائره وأمانة معاملاته. وكل ذلك احتمالات قريبة من الصورة لا تتعدى التأمل. ويكفي أن يسأل الرائي نفسه بهدوء: ما الأمر الذي يشغلني ويعود إلي كل مرة، وهل يمكنني معالجته بالعمل أو بالحديث مع من أثق به.
ومن الدقائق التي يلاحظها بعضهم أن تكرار الحلم في أوقات معينة، كقبيل الفجر أو بعد وجبة ثقيلة أو في ليالي التعب، يدل على أثر الجسد أكثر من أثر المعاني. وإن كان الحلم يتكرر بعد قراءة أو حديث أو مشاهدة معينة فالأمر أقرب إلى حديث النفس. وإن كان الرائي ينام قلقاً مرهقاً فقد يفسر ذلك كثرة الأحلام وتكرارها. وهذه ملاحظات عملية تعين على الطمأنينة.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن من تتكرر عنده الأحلام يستفيد من تنظيم نومه وتخفيف المنبهات وذكر الله قبل النوم وترك التفكير الثقيل عند الاضطجاع. ويستفيد كذلك من كتابة ما يشغله في ورقة نهاراً حتى لا يحمله إلى فراشه. وإن كان التكرار مزعجاً جداً أو مصحوباً بأرق مستمر فمن الحكمة استشارة مختص، فهذا من الأخذ بالأسباب. والعناية بالنفس جزء من شكر النعمة.
ومن الجميل أن يتحول تكرار الحلم إلى مناسبة لتحسين العادات، فيعتدل الإنسان في طعامه وكلامه وعلاقاته كما يعتدل الملح في الطعام. وإذا شعر أن ثمة عشرة تحتاج إلى وفاء أو مرارة تحتاج إلى صفح فليبادر إلى ذلك. وبهذا يكون للحلم أثر نافع من غير أن نلزمه بما لا يلزم. وكل ما يقربنا من الخير فهو غنيمة.
وقد يسأل بعضهم: هل يعني تكرار الحلم أن الله يريد أن يوصل إليه رسالة؟ والجواب أن هذا مما لا يعلمه إلا الله، وأن الأسلم ألا يجزم الإنسان بشيء في ذلك. فقد تتكرر الرؤى لأسباب عادية كثيرة، منها الاعتياد على الأطعمة وتكرار مشاهد المطبخ في الذاكرة. والمطلوب من المسلم أن يحسن ظنه بربه، ويكثر من الدعاء بالخير، ويستعيذ بالله من كل ما يسوء، ثم لا يلتفت بعد ذلك إلى الوساوس. وهذا هو الميزان المتوازن الذي يحفظ للإنسان صفاء ذهنه وسلامة عمله.
وخلاصة ما سبق أنه اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ أساساً لقرار حقيقي أو لجزم بأمر خفي. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمسلم يلجأ عند الحيرة إلى الدعاء والذكر وحسن الظن بربه، ثم يمضي في أسبابه مطمئناً. نسأل الله أن يهدئ قلوبنا ويرزقنا نوماً هانئاً وأحلاماً طيبة.
