قد يرى الإنسان في منامه ملحاً يخالطه طعم مر، أو يتذوق الملح فيجده مراً، أو يرى طعاماً اجتمع فيه الملح والمرارة فيتأذى منه، وهي صورة تترك أثراً غير مريح عند الاستيقاظ. وهذا الحلم قد يتكرر عند من يمر بفترة ضغط أو خلاف أو حزن، وقد ينتج كذلك عن اضطراب في الطعم أو في المعدة أو أثر طعام تناوله قبل النوم. والتفسير في هذا الباب رمزي لا قطع فيه، والغرض منه التأمل الهادئ. ولا ينبغي أن يزيد الحلم في قلق الإنسان.
الملح في موروث التعبير يقترن بالاعتدال والعشرة، وقد يقترن كذلك بالكلفة والشدة حين يزيد، والمرارة في الأحلام مرتبطة عند كثير من المفسرين بالهم والكلام الجارح والشدة والضيق. فإذا اجتمعا في مشهد واحد فقد يعبر ذلك عن مرحلة فيها شيء من العناء النفسي أو علاقة فيها مرارة تحتاج إلى معالجة. وقد يعبر كذلك عن تجربة مؤلمة نتج عنها درس نافع. وهذه معان عامة يستأنس بها ولا يجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه أن الطعم المر في المنام قد يدل على همّ أو مشقة أو قول مؤذٍ، وأن الحلو يدل على خير وفرح، وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى نحو ذلك مع اعتبار ما يعقب المرارة من حلاوة. وأما الملح فيحمل على الاعتدال وبعض الكلفة. وقد اختلف المفسرون في تعبير هذه الرموز، وقد لا تصح نسبة بعضها، فلا يصح أن يتخذ الإنسان من ذلك نذيراً بشيء.
ويتغير المعنى بحسب أحوال المشهد، فإن كان الطعم مراً خفيفاً يزول سريعاً فقد يعبر عن ضيق عابر، وإن كان شديداً يتعذر معه البلع فقد يكون انعكاساً لهم ثقيل في النفس. وإن كان الرائي يتخلص من الطعام المر ويبحث عن ماء فقد يعبر عن رغبته في التخفف. وإن كان يتحمل المرارة بصبر ويتناول بعدها شيئاً حلواً فقد يلمح إلى أن الشدة تعقبها راحة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى ضيق من موقف أو كلمة سمعتها، أو شعور بمرارة من تجربة، وحاجة إلى من تحدثه وتشاركه، دون ربط ذلك بحدث معين. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن ضيق في البيت أو إرهاق من المسؤوليات، وللحامل قد يرتبط بتغيرات الطعم والغثيان المعروفة في الحمل، فهو في الغالب من حديث الجسد. وإن رافقه ألم مستمر فعليها مراجعة طبيبها.
وللرجل قد يشير الحلم إلى ضغوط العمل أو الأسرة أو خلاف مع قريب، وإلى مرارة لم يجد لها متنفساً. وللتاجر قد يشير إلى خسارة أو مضايقة في التجارة تحتاج إلى صبر ومراجعة. وهذه كلها احتمالات قريبة من طبيعة الصورة، وليس فيها وعد ولا وعيد. ويكفي أن يعامل الإنسان نفسه برفق ويطلب العون ممن يثق به.
ومن الدقائق التي ينظر إليها بعضهم أن المرارة التي تأتي من الملح الزائد تختلف عن المرارة الأصلية في الطعام، فالأولى قد تقرب من معنى الإفراط في أمر، والثانية من معنى الألم المتأصل. وكذلك ما يعقب الطعم من إحساس، فإن أعقبته حلاوة فقد يستأنس بذلك إلى معنى الفرج بعد الشدة. وهذه تأملات رمزية لا تقيد أحداً، ولا يعتمد عليها في قرارات.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم قد يكون دعوة لطيفة للتعامل مع المرارة التي في النفس بدل كبتها، فالمرارة المحبوسة تتحول إلى ثقل، بينما التعبير عنها بحكمة وهدوء يخففها. ويمكن للإنسان أن يتحدث مع صديق أو يكتب أو يدعو أو يخرج للمشي في هواء طلق. وإذا كان سبب المرارة موقفاً مع إنسان فالصفح والتجاوز من أنفع ما يطيب به القلب. وإذا طال الحزن فلا حرج في طلب المساعدة من مختص.
ويحسن بالمسلم في مثل هذه الأحوال أن يتذكر أن الابتلاءات الصغيرة مدرسة للصبر، وأن كثيراً مما نكرهه في وقته يظهر لنا نفعه بعد حين. وهذا الفهم لا يمنع الحزن الطبيعي لكنه يمنح القلب سعة. وفي الاستعانة بالصلاة والذكر والصحبة الطيبة ما يخفف كثيراً من ثقل الأيام. وبذلك يخرج الإنسان من الحلم بزاد معنوي لا بخوف.
والمرارة في حقيقتها جزء من تجربة الإنسان لا يخلو منه أحد، فكما أن الطعام يحتاج إلى أصناف متعددة من الطعوم ليكتمل، فإن الحياة تتخللها أيام حلوة وأخرى مرة. والحكمة ألا يطغى أحدهما على الآخر في نظر الإنسان، فلا يغتر بالحلو ولا ييأس من المر. وقد يرى بعضهم في صورة الملح والمرارة رمزاً لهذا التوازن الذي يبحث عنه كل إنسان. ومن أخذ من الحلم هذا المعنى الهادئ فقد نال منه سكينة، دون أن يتكلف تفسيراً غيبياً.
وخلاصة ما سبق أنه اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ سبباً لقرار حقيقي أو لتوقع شر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والمسلم يعالج حيرته بالدعاء وحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب المشروعة. نسأل الله أن يبدل مرارة الأيام حلاوة وأن يشرح صدورنا.
