قد يرى النائم أنه يجلس مع صديق أو أصدقاء على مائدة فيها ملح، أو يتقاسم معهم طعامًا ويضيف الملح، أو يتذكر صديقًا قديمًا وفي يده ملح، وقد تتداخل صورة الصداقة مع الملح بصور متنوعة. وهو مشهد مألوف في الأمثال الشعبية التي تذكر أن بين الأصدقاء ملحًا وخبزًا، دلالة على عشرة وحق متبادل. وينبغي أن يُذكَّر بأن الرؤيا رمز لا يقين فيه، وأنها لا تخبر عن موقف أحد من الحالم، وما سنذكره تأملات في معانٍ محتملة لا أكثر.
الملح في الموروث رمز مباشر للعشرة والوفاء، فمن أكل مع غيره طعامًا ملّحه معه صار بينهما حق وذمام في العرف الاجتماعي. وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع الصداقة التي تقوم على الثقة والمشاركة. فاجتماعهما في الحلم قد يعبّر عن تأمل الحالم في أصدقائه وفي قيمة الصحبة في حياته، وعن حنين إلى صديق بعيد أو رغبة في توثيق صلة. وقد يكون ذلك أيضًا انعكاسًا لموقف من الوفاء أو الجفاء عاشه حديثًا. وكل ذلك من باب التأمل النفسي.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتداوله أهل هذا الباب، أن الملح يدل على الصحبة والمعيشة المقتصدة، وأن رؤية الأصدقاء في المنام تدل على أحوال العشرة بقدر ما يُرى من صفائها أو كدرها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الاجتماع على الطعام يدل على الألفة وعلى ما يكون بين الناس من ود. وهذه الأقوال متفاوتة ولا يُجزم بصحة نسبتها، ولا تُغني عن النظر في الواقع. وهي في أحسن أحوالها إشارات عامة يُستأنس بها ولا يُبنى عليها حكم على صديق بعينه.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل، فإن كان الجو في الحلم دافئًا مرحًا فهو أقرب إلى رضا عن الصحبة، وإن كان فاترًا أو متوترًا فقد يعكس شعورًا بتباعد. وإن كان الصديق المرئي معروفًا بالوفاء فقد يعكس امتنانًا له، وإن كان ممن جفا فقد يعكس عتابًا مكتومًا أو شوقًا. وإن رأى الحالم أنه يقدم الملح لصديقه فقد يعكس رغبة في العطاء والمبادرة، وإن تلقاه منه فقد يعكس حاجة إلى دعمه. ويهم شعوره أثناء الحلم وبعد الاستيقاظ.
وللمرأة قد يعبّر الحلم عن علاقة صداقة تعتز بها أو عن رغبتها في صحبة طيبة تسندها، وهي من أعظم ما يعين المرأة في حياتها. وللرجل قد يعبّر عن حاجته إلى رفقة صالحة، أو عن شوقه إلى أيام الأصدقاء القدامى. وللمغترب قد يكون الحلم أشد حنينًا إلى أصحابه ومائدتهم. وللطالب أو الموظف قد يرتبط بزملاء يرافقهم. وكل ذلك من الاحتمالات التي تدور حول معنى الألفة.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم أن تكون المائدة في بيت الحالم أو في بيت صديقه أو في مكان مفتوح، فالأولى أقرب إلى ضيافة، والثانية إلى رد جميل، والثالثة إلى لقاء حر. وإن كان الملح مشتركًا في إناء واحد فهو أقرب إلى مشاركة، وإن كان لكل واحد إناؤه فقد يعكس حدودًا في العلاقة. وإن انسكب الملح في أثناء الحديث فقد يعكس هفوة صغيرة في الكلام، وإن جمعاه معًا فقد يعكس تصحيح الخطأ بالتعاون. وكلها تقريبات لا جزم فيها.
ولا يفوتنا أن الصداقة الحقيقية تحتاج إلى اعتدال كما يحتاج الطعام إلى اعتدال الملح، فلا يثقل أحدهما على الآخر بتوقعاته، ولا يهمل حقه في السؤال والزيارة. ومن الأصدقاء من يزيد عليك الملح بكثرة العتاب، ومنهم من لا يضيف شيئًا فتخلو الصحبة من العمق، وخيرهم من وازن بين الصدق واللين. وفي الحلم ما يذكّر بأن نتفقد من حولنا وأن نختار ونحافظ على من يعين على الخير ويذكّر بالله.
وإذا استيقظ الحالم وفي قلبه شوق إلى صديق فلا بأس أن يبادر بالاتصال أو الرسالة، ولو بكلمة بسيطة، فكم من علاقة كادت تنطفئ لولا مبادرة صغيرة. وإذا استيقظ وفي قلبه عتاب فليتروّ قبل أن يتهم، ولا يبنِ على صورة في منام موقفًا من صديق حقيقي. فإن الأحلام تلعب بالمشاعر، وقد تظهر فيها وجوه الأصدقاء بأشكال لا تمت إلى حقيقتهم بصلة، ومن الإنصاف أن نحسن الظن بهم ما دمنا لم نرَ منهم سوءًا في اليقظة.
وعمليًّا ونفسيًّا، يدعو الحلم إلى الوفاء للأصدقاء الصادقين وصيانة العشرة بالزيارة والسؤال والدعاء الغيبي. ويمكن للإنسان أن يخصص وقتًا ثابتًا للقاء من يحب، وأن يعتذر سريعًا إذا أخطأ، وأن يقبل عذر صاحبه. وأن يختار صحبة تقربه من الخير وتذكّره بالله، فالصاحب ساحب كما يقال بين الناس. والصداقة ثروة حقيقية لا تُقاس بالمال، ومن حفظها بالاعتدال والصدق وجد في أيامه سندًا وفي غربته أنسًا.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساسًا لقرار في قطع علاقة أو وصلها أو اتهام صديق. وعلى من أزعجته رؤياه أن يدعو الله وأن يحسن الظن به وبعباده، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بالقلوب وما فيها. وليأخذ كل امرئ بأسباب الصلة والإحسان، وليطمئن إلى أن الله يؤلف بين من أخلصوا النية في الصحبة.
