قد يرى الحالم في منامه حفل زفاف يحضره أو يقيمه، وفي الحفل ملح على الموائد أو في يد العروسين أو عند باب القاعة، وقد يرى الملح يُنثر أو يُقدَّم أو يوضع في الأطباق. وهو مشهد يمتزج فيه فرح المناسبة بمعنى الملح في الثقافة الشعبية، إذ ارتبط الملح في عادات بعض الشعوب باستقبال العروسين وتمني دوام العشرة. وكما نذكر دائمًا، فإن الرؤيا رمز لا يقين فيه، ولا تُنبئ عن زواج أو غيره، وما نعرضه هنا هو تأمل في معانٍ محتملة، لا حكم فيها ولا جزم.
الملح في الرموز المأثورة يدل على العشرة والوفاء والاعتدال والحفظ، والزواج في جوهره عشرة ممتدة تقوم على الوفاء والصبر. فاجتماعهما في المنام يوحي بتأمل في معنى العشرة الزوجية وما يحفظها من اعتدال ومودة. وقد يعبّر الحلم عن أمنية بأن تدوم المودة بين الزوجين، أو عن تفكير في بداية جديدة بما فيها من فرح ومسؤولية. وقد يكون كذلك انعكاسًا لانشغال الحالم بمناسبة قريبة أو بحديث عن الأعراس. وهذا كله باب من الاحتمال لا اليقين.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتداوله أهل هذا الباب، أن الأعراس والولائم في المنام قد تدل على اجتماع وفرح بقدر ما يُرى من حسنها، وأن الملح يدل على الصحبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الطعام الكثير في المجامع تدل على اجتماع الناس وعلى معروف بقدره. وتختلف أقوال المفسرين في ذلك ولا تُعرف أسانيدها على وجه الجزم، فلا ينبغي أن تُتخذ حجة، ويكفي أن تُؤخذ كإشارات عامة يُستأنس بها ثم يُترك أمرها لما يقدّره الله.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل، فإن كان الملح يُقدَّم للعروسين بسرور فهو أقرب إلى دعاء بالعشرة الطيبة، وإن كان يُنثر على الأرض فقد يرمز إلى فرح يفيض على الحاضرين، وإن كان على الموائد فهو أقرب إلى حسن الضيافة. وإن كان الحفل هادئًا مبهجًا فالأمر أقرب إلى الاطمئنان، وإن كان مضطربًا فقد يعكس قلقًا من مناسبة أو من تبعات اجتماعية. ويؤثر شعور الحالم، فالفرح غير التوجس، والتوجس قد يعكس ضغط المناسبات لا أكثر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس الحلم أحلام المستقبل وأمنياتها في بيت مستقر، وقد يكون صدى لحديث الأهل أو لحضور مناسبة قريبة. ولا يصح أن تعد الرؤيا دليلًا على خطبة أو زواج، فالأمور تجري بقدر الله وبالأسباب الظاهرة. وللمرأة المتزوجة قد يعكس الحلم ذكرى عرسها أو رغبتها في تجديد بهجة العلاقة. وللرجل قد يعكس تفكيرًا في الارتباط أو في تجديد المودة مع أهله.
وللأهل الذين يستعدون لزفاف أحد أبنائهم قد يكون الحلم انعكاسًا للانشغال بالتجهيزات والضيافة، فالملح في الأطباق جزء من الاستعداد. وللمدعوين قد يكون صدى لجو المناسبة. وللمرأة المطلقة أو الأرملة قد يثير الحلم مشاعر مختلطة تحتاج إلى لطف مع النفس، وإلى تذكر أن الله يدبّر لعباده بما فيه الخير. وكل هذه المعاني نفسية قريبة من الواقع.
ومن التفاصيل التي تلطّف الفهم أن يرى الحالم الملح مع الخبز أو التمر أو الحلوى، فهو أقرب إلى معنى الضيافة والاجتماع، وأن يكون الملح في وعاء مزين فهو أقرب إلى العناية بالتفاصيل. وإن رأى العروسين يتذوقانه فقد يرمز إلى استعدادهما لتقبل الحلو والمر معًا، وإن رأى أحدهما يتجنبه فقد يعكس تخوفًا. وإن رأى الملح يتساقط من يد أحدهما فقد يعكس قلق التفاصيل. وكل ذلك في باب التقريب لا القطع.
وقد يكون من المناسب أن نذكر أن العادات الاجتماعية تختلف، وأن ما يُعمل في بلد قد لا يُعرف في آخر، وأن بعضها لا أصل له في الدين وإنما هو من العرف. ولذلك لا ينبغي أن يُعطى الملح في الأعراس دلالة دينية أو أن يُحمَّل ما لا يحتمل من تفاؤل أو تشاؤم. وإنما يمكن أن يُنظر إليه كرمز ثقافي للعشرة، دون تعلق ولا اعتقاد في نفع أو ضر، فالنفع والضر بيد الله وحده، وهذا ما يحفظ للقلب صفاءه من الأوهام.
وعمليًّا ونفسيًّا، يدعو الحلم إلى التأمل في معنى العشرة وما يحفظها من وفاء واعتدال وكلمة طيبة. ويمكن لمن يستعد للزواج أن يتعلم فن الحوار واحترام الآخر وتحمل المسؤولية، ولمن تزوج أن يجدد مودته بلفتات صغيرة. فالبيت الناجح لا يقوم على مناسبة كبيرة بل على تفاصيل يومية صادقة، كالملح الذي لا يلتفت إليه أحد حين يوجد ويُفتقد حين يغيب، ومن أحسن العشرة في الصغائر استقام له الكبائر بإذن الله.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساسًا لقرار في زواج أو خطبة أو غيرهما. وعلى من رأى ما أقلقه أن يدعو الله وأن يحسن الظن به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما يصلح عباده. فلتأخذ كل نفس بالأسباب المباحة، ولتطمئن إلى أن ما يقدّره الله فيه الخير والبركة بإذنه.
