حمل الملح في المنام صورة فيها إحساس بالثقل، فقد يرى الرائي نفسه يحمل كيسا من الملح على كتفه أو في يديه أو على ظهر دابة أو عربة. وقد يحمله لمسافة قصيرة أو طويلة، وقد يشعر بتعب أو بخفة بحسب الحال. وهذه الصورة تختلف عن صورة جمع الملح أو رؤيته، لأن التركيز فيها على الحمل وما فيه من ثقل ومسؤولية. وما نذكره هنا استئناس بالرموز لا جزم فيه.
الحمل في الرؤيا يرمز في الغالب إلى تحمل المسؤولية والأعباء، فمن حمل شيئا فقد تحمل أمرا. وتتفاوت دلالته بحسب ثقل المحمول وبحسب الشعور المصاحب. والملح المحمول يدل على ما به قوام المعاش والعشرة، فكأن الرائي يتحمل أعباء الحياة اليومية، أو أمانة صحبة، أو مسؤولية معيشة أهله. وقد يشير إلى أنه ينقل رزقا أو نفعا إلى غيره، فالحامل قد يكون ناقلا للخير كما يكون حاملا للهم. فالمعنى مرهون بالتفاصيل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نقل عنه أن حمل الأشياء الثقيلة يدل على تحمل هم أو دين أو مسؤولية، وأن الحمل على الظهر قد يدل على تحمل أمر كبير. وذهب بعض المفسرين إلى أن حمل ما فيه نفع يدل على كسب بقدر مشقته. وذكر النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يشير إلى أن الملح قد يدل على مشقة يسيرة، وقد يتفق ذلك مع ثقل الحمل. ولا يخفى أن الأقوال متفاوتة، وليس فيها ما يوجب القطع.
ويتغير المعنى بحسب طريقة الحمل وحال الحامل، فإن كان يحمله بسهولة وثبات فهو أقرب إلى قدرته على تحمل مسؤوليته. وإن كان يتعثر ويتألم فهو أقرب إلى أعباء تفوق وسعه أو شعور بالإرهاق. وإن كان يحمله لغيره فهو أقرب إلى خدمة وإعانة، وإن كان يحمله لنفسه فهو أقرب إلى كسب لنفسه وأهله. وإن وصل به إلى وجهته فهو علامة على إنجاز المهمة، وإن سقط منه الكيس فقد يدل على قلق من فشل أو ضياع.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر حمل الملح عن تحملها لمسؤوليات أكبر من سنها، أو عن إعانتها لأهلها في شؤونهم. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى أعباء البيت والأسرة وإلى ثقل التزاماتها، وفي الوقت نفسه إلى قدرتها على حمل ما يحفظ استقرار أسرتها. وللحامل قد يرتبط بثقل الحمل الجسدي وشعورها بالتعب، فيكون الحلم تعبيرا عن واقعها قبل أن يكون رمزا. وكلها قراءات احتمالية.
وللرجل قد يدل حمل الملح على مسؤولية إعالة أهله وما فيها من تعب، أو على عشرة قديمة يتحمل تبعاتها لأصدقائه. وللتاجر قد يشير إلى نقل بضاعة أو إلى مسؤولية مخزون كبير، وربما إلى تحمل ديون صغيرة. وللعامل قد يكون صدى لمهنته. وللأب قد يعبر عن شعوره بثقل الأمانة نحو أولاده.
ومن دقائق التفاصيل وزن الكيس ومكان حمله، فالكيس الخفيف يدل على عبء هين، والثقيل على عبء كبير. ومنها طول المسافة، فالطويلة تدل على صبر طويل والقصيرة على أمر وشيك الانتهاء. ومنها وجود حيوان يحمل عنه، فهو يشير إلى معين أو وسيلة تخفف عنه. ومنها ما إذا كان الملح يتسرب من الكيس أثناء الحمل، فهو يشير إلى نقص أو هدر خفي يحتاج إلى انتباه. ومنها ما إذا كان الطريق صاعدا أو هابطا، فالصاعد أشق والهابط أيسر.
ومن الجانب النفسي قد يدعو الحلم صاحبه إلى مراجعة ما يحمله من أعباء، وهل بعضها يمكن أن يوزعه على غيره، فليس من الحكمة أن يحمل الإنسان كل شيء وحده. وقد يذكره بأن بعض الأحمال نعمة وليست عبئا، كحمل أمانة الأهل وصحبة الأحباب، ففي ثقلها معنى الشرف. وقد يكون فيه دعوة إلى طلب العون من الأصدقاء. وهذا الأسلوب في التأمل ينفع أكثر من الانشغال بالتنبؤ.
ومن اللطيف أن حمل الملح يستدعي صورة القوافل القديمة التي كانت تنقله مسافات طويلة لقيمته، فهو حمل غالٍ النفع وإن كان ثقيلا. ولهذا قد يشعر بعض الرائين أن ما يحملونه، على ثقله، ذو قيمة وأن تعبهم ليس عبثا. وهذه نظرة تفاؤلية يمكن أن تخفف من وطأة الأعباء دون أن تدعي معرفة بما سيكون.
وقد ينبّه الحلم أحيانا إلى الجسد، فمن كان يحمل أثقالا في عمله أو يعاني آلام الظهر قد يرى مثل هذه الصور تعبيرا عن ألمه. وفي هذه الحال فإن الأولى أن يعتني بصحته وراحته، وألا يبالغ في استخراج المعاني الرمزية. فالجسد يتكلم بلغته في الأحلام كما يتكلم في اليقظة.
وختاما، فإن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في العمل أو الأسرة أو المال. فليقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وبالأخذ بالأسباب والاستعانة بمن حوله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما يقدّر لعباده.
