الملح الخشن في المنام صورة تظهر فيها حبيبات كبيرة غير مصقولة، تُحس بالأصابع وتُرى بالعين على أنها غليظة وصلبة. وكثيرا ما يرى الرائي هذه الصورة في مطبخ أو في سوق أو ضمن كيس كبير، ويتساءل عن سبب غرابة الخشونة فيها. والحق أن الخشونة صفة تضيف إلى الرمز بعدا جديدا، فالأمر هنا ليس عن الملح فحسب بل عن حالته وطبيعته. ولذلك تختلف قراءتها عن قراءة الملح الناعم أو الأبيض الصافي، مع التذكير بأن كل هذا استئناس لا جزم.
الخشونة في الرؤيا ترمز عادة إلى الشدة والصلابة والمشقة، وإلى ما يحتاج إلى جهد وصبر ليلين. والملح الخشن لا يذوب بسرعة ولا يتوزع بسهولة، ولذلك يُقرأ في الحلم على أنه إشارة إلى أمر يحتاج وقتا ومعالجة قبل أن يعطي ثمرته. وقد يرمز إلى علاقة قوية الأساس لكنها غليظة المعاملة، أو إلى رزق يأتي بعد كد وتعب. وبهذا يكون الرمز مركبا من معنى الملح الأصلي ومعنى الخشونة المضافة، دون أن يُعد نذيرا بشر.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نقل عنه أن الملح يدل على المعاش وما يصلحه، وإن كان في بعض الصور تعبا ومشقة يسيرة. وذهب بعض المفسرين إلى أن غلظة الشيء في الرؤيا تدل على غلظة أمره وصعوبة نيله، فكان الملح الخشن عندهم إشارة إلى كسب فيه عسر. وذكر النابلسي في بعض ما نُقل عنه أن الملح قد يدل على مشقة يتبعها فرج، وفي هذا ما يناسب الخشونة. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في هذه الأقوال، ولا بد من الحذر في تعميمها.
ومما يغير المعنى كيفية تعامل الرائي مع هذا الملح، فإن طحنه حتى صار ناعما فهو إشارة جيدة إلى قدرته على تذليل الصعاب وتحويل الشدة إلى لين. وإن أحس بخشونته في كفه فتألم فقد يدل على ضيق من أمر شديد يتحمله. وإن استعمله في الطعام فوجده مناسبا، فذلك علامة على أن الصعب نفسه قد يتحول إلى نافع. وإن بقيت حبيباته الكبيرة في فمه فأزعجته، فهو أقرب إلى مرارة من أمر لم يحسن هضمه بعد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الملح الخشن إلى علاقة أو موقف يبدو في ظاهره فظا لكن في أصله صدق، وقد يعكس شعورها بقسوة في معاملة بعض من حولها. وللمرأة المتزوجة قد يدل على أعباء الحياة اليومية وما فيها من خشونة تحتاج إلى صبر ورفق، وقد يكون تذكيرا بأن الرفق يلين كل شيء. وللحامل قد يرمز إلى ثقل مرحلة بعينها وأنها ستمر. وكلها احتمالات لا قطع فيها.
وللرجل قد يدل الملح الخشن على عمل شاق أو مسؤولية صلبة، أو على صديق غليظ الطبع لكنه صادق الوفاء. وللتاجر قد يرمز إلى سوق صعبة تحتاج إلى مثابرة، أو إلى سلعة أساسية خشنة الشكل لكنها مطلوبة. وللعامل بيده قد يكون صدى لما يعانيه يوميا من جهد. ولا ينبغي أن يُحمّل ذلك أكثر من حجمه، فالرمز مجرد مدخل للتفكر.
وفي التفاصيل ما يستحق النظر، كلون الملح، فالخشن الأبيض الصافي أخف من الخشن المائل إلى الرمادي أو المتسخ. ومنها مصدره، فملح رآه في كيس قديم يختلف عن ملح جُمع حديثا. ومنها وجوده في مكان بعينه، فعلى المائدة يرتبط بالطعام والعشرة، وعلى الأرض يرتبط بالانتشار والمشقة. ومنها وجود من يشارك الرائي في التعامل معه، فالمشاركة في حمل الصعب تدل على معين وسند.
ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم رسالة هادئة بأن بعض الأمور في حياتنا خشنة بطبعها، وأن الحل ليس في الهروب منها بل في تليينها بالصبر والتدرج. فالشدة لا تزول بالتمني، لكنها تلين بالمداومة، كما تُطحن الحبات الكبيرة حتى تصير مناسبة للطعام. وقد يكون فيه دعوة إلى أن يراجع الإنسان أسلوبه مع من حوله، فيلين قوله حيث تحسن الليونة، ويحتفظ بصلابته حيث يلزم الحزم. وهذه المعاني تربوية صرفة.
ويحسن بالرائي كذلك أن يفرق بين الخشونة في الملح والخشونة في نفسه عند الاستيقاظ، فإن كان الحلم قد ترك فيه شعورا بالتحدي والعزم فهو أقرب إلى معنى الاستعداد لمواجهة أمر صعب بقوة، وإن ترك فيه كدرا وضيقا فالأولى أن يعدّه من أضغاث النفس المتأثرة بتعب النهار. ومن الأمثلة المقربة أن العامل المتعب أو الطالب في أيام الامتحانات كثيرا ما يرى صورا خشنة قاسية لأن ذهنه مشغول بما يثقل عليه. وليس في ذلك دلالة غيبية، بل هو تفاعل طبيعي بين ما يعيشه الإنسان وما يتشكل في منامه من صور. فالأحرى أن يأخذ الرائي من الحلم ما يعينه على الصبر، ويدع عنه ما يوهمه بوقوع شر لم يقع.
ومع كل ما قيل، فإن ذلك كله اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُتخذ سببا لاتخاذ قرار حقيقي أو لتخويف النفس من أمر لم يقع. فمن رأى ما أقلقه فليدع الله بالخير ويحسن الظن به ويأخذ بأسباب الراحة والسعي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما نقوله في الرؤى لا يتجاوز ظنا نستأنس به ولا نبني عليه.
