قد يرى الحالم في منامه ملحًا ليس أبيض كعادته، بل ملونًا بألوان زاهية أو متعددة، كالأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، وقد يكون في قوارير أو في صحن أو منثورًا على مائدة. وهو مشهد غريب نسبيًّا لا يتكرر عند الجميع، ويثير فضول من يراه لأنه يجمع مألوفًا هو الملح بغريب هو اللون. ومن المهم أن نتذكر أن الأحلام تخلط الصور وتبتكر ما لا وجود له في الواقع، فلا يصح أن يُنتظر من تعبيرها وضوح الكتب ولا دقة الحساب. وما نذكره هنا مجرد احتمالات رمزية لا حكم فيها ولا قطع.
والملح في الأصل رمز للاعتدال الذي يصلح به الطعام وللعشرة التي تدوم بين الناس، كما يرمز إلى الحفظ وإلى الرزق المتواضع. فإذا ظهر ملونًا فقد دخل على هذا المعنى الأصلي عنصر جديد هو اللون، واللون في الرؤى عادة يدل على الحال النفسية أو على تنوع الأحوال. فقد يشير الملح الملون إلى حياة فيها تنوع ثري في العلاقات والأحوال، وقد يشير إلى شيء يبدو جميلًا في ظاهره وهو يحتاج إلى تأمل في حقيقته. وهكذا يتسع المعنى بحسب ما يميل إليه قلب الرائي ومشاعره.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الألوان، فيما يتداوله المفسرون، أن البياض أقرب إلى الصفاء وأن غيره من الألوان تحمل دلالات تتفاوت بحسب لون كل منها وموضعه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأخضر يميل إلى الخير والنماء، وأن الأحمر قد يدل على انفعال أو حيوية، وأن الأصفر قد يشير إلى ضعف أو تعب خفيف. وهذه النقول متباينة، وقد اختلف فيها أهل التعبير كثيرًا، ولا يُجزم بصحة نسبتها كلها، فلنأخذها بحذر على سبيل الاستئناس فقط دون أن نجعلها أصلًا يُبنى عليه.
وتتغير الدلالة بحسب التفاصيل، فالملح الأخضر الهادئ في صحن نظيف يختلف عن الملح الأحمر المنثور بغير نظام، والألوان الكثيرة المتداخلة قد تدل على تشتت الأفكار أو كثرة الاهتمامات. ويهم كذلك أن ننظر هل كان الملح الملون مستعملًا في الطعام أم مجرد زينة، فإن استُعمل فقد يدل ذلك على إدخال شيء جديد في أمور المعيشة، وإن كان زينة فهو أقرب إلى جمال المظهر دون عمق. وشعور الحالم بالبهجة أو بالنفور هو أهم ما يوجه الفهم.
وللمرأة المتزوجة التي ترى هذا الحلم قد يعبّر عن رغبتها في تجديد روتين البيت وإضفاء لمسة جمال على الحياة اليومية، أو عن اهتمامها بتنويع الموائد والضيافة. وقد يكون في ذلك انعكاس لإعجابها بشيء رأته في اليقظة كتوابل ملونة أو أدوات مطبخ جميلة. وإن كانت الألوان مبهجة فالأقرب أن المعنى طيب وخفيف، وإن كانت منفرة فقد يشير إلى انزعاجها من أمر صغير تقدر على معالجته بالحوار.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الملح الملون إلى تعدد الاحتمالات أمامها في الدراسة أو العمل أو الحياة الاجتماعية، وإلى ما يصاحب ذلك من حيرة أو فضول. وللرجل قد يرتبط الحلم بتنوع مصادر الرزق أو بكثرة الارتباطات، وإن شعر بالارتباك فهو دعوة إلى ترتيب الأولويات. وللتاجر قد يرتبط بالبضائع المتنوعة التي يتعامل معها، وهذا أقرب إلى انعكاس عمله اليومي في الذهن.
ومن التفاصيل التي تحسن ملاحظتها أن يكون الملح قد تلوّن بصبغة صناعية أم بلون طبيعي، فاللون الطبيعي المتولد من معدن أو نبات قد يرمز إلى أصالة وعمق، والصناعي قد يرمز إلى تكلف ومظهر. وإن كان الطعم عند التذوق مألوفًا فهو أقرب إلى أن الأمر في جوهره سليم وإن تغير مظهره، وإن كان غريبًا أو مرًّا فقد يشير إلى تحفظ في النفس تجاه جديد لم يتبين بعد. وقد تأتي الألوان من مشاهدة سابقة أو من خيال فني عند صاحب الرؤيا.
ومن الناحية النفسية، يبدو الحلم دعوة إلى الانتباه لجوهر الأمور لا لمظهرها فقط، فالملح مهما تلوّن يبقى ملحًا، والعشرة مهما تزيّنت تحتاج إلى صدق. ويمكن للإنسان أن يستفيد من هذه الصورة بالاعتدال في الإقبال على كل جديد لامع، والمحافظة على الأصيل من علاقاته وقيمه. وإن كان يبحث عن تجديد في حياته فليجرب خطوات بسيطة وآمنة، كزيارة صديق أو تعلم مهارة نافعة، فالتجديد المعتدل يُنعش النفس دون أن يخلّ بتوازنها.
والخلاصة أن هذه الرؤيا قابلة لتأويلات كثيرة، وكلها اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى مرتبة العلم، فلا يُبنى عليه قرار في مال أو عمل أو زواج أو غير ذلك. وخير ما يفعله من أشكلت عليه رؤيا أن يدعو الله ويحسن الظن به، فالغيب مما استأثر الله بعلمه، وما يقدّره لعباده فيه الخير وإن خفي عليهم وجهه. فليطمئن الحالم وليسعَ في صلاح أمره بما يملك، وليترك ما وراء ذلك إلى رحمة ربه وحكمته.
