قد يرى الإنسان في منامه الجبن وهو يغمر بالملح أو يوضع في محلول مالح ليتماسك ويحفظ، وهي صورة معروفة في البيوت الريفية ومصانع الألبان الصغيرة. ويعرف من يقوم بذلك أن الملح هنا يضبط الطعم ويطيل الحفظ ويعطي الجبن قوامه المرغوب. وقد يكون الحلم من أثر مشهد رآه أو طعام تناوله، وقد يحمل معنى رمزياً عند من يتأمل. وكما في سائر الأحلام فإن التفسير رمزي غير قاطع.
الجبن في المنام يرتبط عند بعض المعبرين بالرزق الذي يحول من أصل ليّن إلى شيء أكثر تماسكاً، وبالتحول من اللبن إلى طعام مدخر، فيرمز إلى جني ثمرة بعد معالجة. والملح يرمز إلى الاعتدال والحفظ والعشرة. فإذا اجتمعا فقد يشير ذلك إلى أمر كان ليناً مرناً ثم أخذ يتشكل ويستقر بفعل الجهد والضبط. وقد يعبر كذلك عن رغبة في تثبيت خير وتحصيله من التقلب.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يروى عنه أن اللبن يدل على الفطرة والعلم والرزق الحلال، وأن ما يصنع منه يدل على مال يستفاد بعد معالجة، وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى نحو ذلك مع التنبيه على اختلاف الأحوال. ويضاف إلى ذلك معنى الملح في الاعتدال وحسن الصحبة. وهذه الأقوال ليست محل اتفاق، فيها اختلاف واسع، ولا ينبغي أن تؤخذ حكماً مبرماً بل استئناساً عاماً.
ويختلف المعنى بحسب تفاصيل المشهد، فإن كان الجبن أبيض نظيفاً والملح معتدلاً دل ذلك على حسن تدبير واستقرار، وإن كان شديد الملوحة فقد يعبر عن إفراط في التحكم أو كلفة في الأمر. وإن كان الرائي يتذوق الجبن فيجده لذيذاً فذلك أقرب إلى الرضا والطمأنينة، وإن وجده مراً أو فاسداً فقد يكون في الأمر ما يحتاج إلى مراجعة. وإن كان يشارك الآخرين في صنعه فقد يرمز إلى تعاون وألفة.
للفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن مرحلة تتشكل فيها شخصيتها وتتثبت ميولها وأهدافها، كما يتشكل الجبن من اللبن. وقد يرتبط بذكريات أسرة تصنع الجبن في موسمه وتتعاون عليه، ولا يحمل بالضرورة غير ذلك. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تماسك أسرتها وجهدها في تنظيم أمور بيتها، وللحامل قد يكون من حديث الاشتهاء والرغبة في أطعمة بعينها.
وللرجل قد يشير إلى مشروع أو عمل بدأ ليناً غير مستقر ثم صار أكثر ثباتاً بالجهد والصبر، وهو معنى حسن يستأنس به. وللتاجر قد يرمز إلى سلعة تحتاج إلى حفظ وتخزين وإلى ضبط الجودة، فالإفراط في الملح يفسد الجودة والتفريط يفسد الحفظ. وكل ذلك احتمالات لا تتجاوز التأمل، ولا ينبغي أن يبنى عليها قرار تجاري.
ومن الدقائق التي يلتفت إليها بعضهم نوع الجبن، فالجبن الأبيض المحفوظ في الماء المالح غير الجبن القاسي المجفف، ولكل منهما إيحاء مختلف عند من يتأمل، فالأول أقرب إلى المرونة والثاني إلى الصلابة. وإن كان الجبن يوضع في أوعية خشبية أو فخارية فقد يرتبط عند بعضهم بالأصالة والعودة إلى الجذور. وإن رأى الرائي الملح يلين الجبن لا يقسيه فربما كان ذلك رمزاً لتلطف الأمور.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن هذا الحلم قد يشير إلى حاجة الإنسان إلى أن يجد نقطة توازن بين المرونة والثبات، فلا يكون ليناً بلا ضابط ولا قاسياً بلا رحمة. وهو أيضاً تذكير بأن الأشياء الجيدة تحتاج إلى صبر وعناية وجرعة متوازنة من الحزم. ويمكن أن يستفيد الرائي منه في علاقاته ومشاريعه، فيراجع ما إذا كان مفرطاً في الشدة أو التساهل. وهذه المراجعة الهادئة أنفع من تتبع الرموز.
كذلك قد يستحضر الإنسان بهذا الحلم أيام الأسرة حول مائدة الإفطار حيث يوضع الجبن والخبز، وما فيها من بساطة وبركة وألفة. وهذه الذكريات الطيبة من أجمل ما يخلفه الحلم، فهي تزرع في النفس شعوراً بالامتنان. ومن شعر بذلك فقد استفاد من حلمه دون أن يتكلف تأويلاً.
ومن زاوية أخرى فإن الجبن من الأطعمة التي تقدم للضيف وتوضع على مائدة البساطة، ولذلك يربطه بعض الناس بمعاني الضيافة والكرم والقناعة، وإذا اقترن بالملح فقد يتذكر الرائي معنى الزاد المشترك والعشرة الطيبة. وربما كان الحلم دعوة هادئة لأن يتذكر الإنسان من أحسن إليه ويبادله الوفاء، أو أن يزور قريباً طال عنه الغياب. وهذه المعاني الاجتماعية الودودة أقرب إلى روح الصورة من التأويلات المعقدة. ومن يأخذ من الحلم فعلاً طيباً واحداً فقد أحسن الاستفادة منه.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ سبباً لقرار حقيقي في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومن رأى حلماً فليكثر من الدعاء وليحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب المشروعة. فنسأل الله لنا ولكم البركة في الرزق والسكينة في القلب.
