من الأحلام التي تحمل رائحة الريف والموسم أن يرى الإنسان نفسه يملح الزيتون في أوان، فيغسل الحبات ويشقها ويضعها في الماء والملح وينتظر أياماً حتى تزول مرارتها. وهذا المشهد مألوف في كثير من البيوت العربية، يجتمع فيه أهل البيت ويتعاونون، وقد يظهر في المنام عند من شارك فيه أو اشتاق إليه. ويتعامل المفسرون مع مثل هذه الصور بالنظر في معاني الرموز المجتمعة فيها. والتفسير هنا رمزي لا يقطع بشيء ولا يعد بحدث بعينه.
الزيتون في موروث التعبير يرتبط بالبركة والخير والنفع الدائم، وبالأصل الطيب والشجرة الراسخة، وقد يرتبط عند بعضهم بالمال والذرية الصالحة. أما الملح فيرمز إلى الاعتدال والحفظ والعشرة، وقد يرمز إلى المرارة والكلفة إذا زاد. وفي تمليح الزيتون معنى لطيف يجمع بين الأمرين، فالزيتون يؤخذ مراً ثم يعالج بالملح والماء والصبر حتى يصير مستساغاً. ومن هنا قد يستأنس بعضهم بأن الحلم يشير إلى تحويل المرارة إلى طيب بالصبر والحكمة.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه من تعبير الأحلام أن الزيتون يدل على الخير والبركة والمال الطيب، وأن حاله يختلف بحسب كونه مأكولاً أو مزروعاً أو معصوراً. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى نحو من ذلك، مع التنبيه على اختلاف الأحوال. ويضاف إلى ذلك معنى الملح من اعتدال وتدبير. وهذه الأقوال ليست محل اتفاق تام، وقد تختلف نسبتها وفهمها، فيؤخذ منها معنى عام دون جزم بتفاصيل.
ويتغير الفهم بحسب السياق، فإن كان الزيتون أخضر نظيفاً والرائي يعمل بهدوء وسرور دل ذلك عند من يفسر على خير يتدرج وسكينة في العمل. وإن كان الزيتون فاسداً أو متعفناً فقد يلمح إلى أمر يحتاج إلى فحص أو إلى وقت ضائع في ما لا ينفع. وإن كانت المرارة باقية رغم التمليح فقد يعبر عن أمر لم يهضم بعد في النفس. وإن كان المشهد جماعياً فقد يشير إلى ألفة الأسرة وتعاونها.
أما الفتاة غير المتزوجة فقد يعبر الحلم عندها عن تعلمها صبراً على أمر يضايقها حتى يطيب، أو عن ارتباطها بأسرتها وذكرياتها الموسمية، ولا يجزم بشيء في شأن الخطبة والزواج. وقد يكون ببساطة من أثر موسم الزيتون إن كانت قريبة منه. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حرصها على تموين البيت وتجميع العائلة، وللحامل قد يرتبط بالاشتهاء المعروف للمخللات والمملحات.
وللرجل قد يشير الحلم إلى عمل يحتاج صبراً، أو أرض وزرع وتعب يرجى نفعه، أو إلى علاقة قديمة تحتاج إلى تلطيف. وللتاجر قد يرمز إلى بضاعة موسمية تحتاج إلى حسن تخزين وانتظار للوقت المناسب للبيع. وكل ذلك احتمالات رمزية قريبة من معنى الحلم، ولا تلزم أحداً ولا تغني عن الدراسة الواقعية.
ومن الدقائق أن لون الزيتون يغير المعنى عند بعضهم، فالأخضر قد يقرب من معنى النضارة والبداية، والأسود من معنى النضج والاكتمال. وكذلك وعاء التمليح وطريقته، فقد يكون في برميل خشبي أو جرة فخارية أو وعاء بلاستيكي حديث، وتحمل كل صورة ذكريات مختلفة. وإن كان الرائي يتذوق الزيتون فيجده معتدل الملوحة فذلك أقرب إلى الرضا، وإن وجده شديد الملوحة فقد يلمح إلى إفراط في أمر ما.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم يذكر بقيمة الصبر على ما نكره حتى يتحول إلى خير، فكما أن المرارة تزول بالمعالجة والوقت، فكثير من الخبرات المؤلمة تلين بالتجربة والفهم. وهو يدعو كذلك إلى التعاون مع الأسرة والمحيطين، وإلى تقدير بساطة الأطعمة التقليدية وبركتها. ومن كان يمر بمرحلة مرارة فلعل الحلم يعطيه رمزاً للأمل بأن الأمور قد تصلح مع الوقت وحسن التدبير.
وقد يحسن بالإنسان أن يجعل من الحلم سبباً لشكر النعمة، فالطعام البسيط من زيتون وخبز كان مائدة أجيال طويلة بقناعة ورضا. وذكر النعمة يفتح القلب للرضا ويخفف الحرص على المزيد. وهذه الدروس العملية الودودة أبقى أثراً من أي تأويل غامض. فمن أخذ من رؤياه عبرة نافعة فقد أحسن الانتفاع بها.
وإذا تأمل الإنسان هذا الحلم من جهة الأسرة وجد فيه صورة جميلة للتعاون، فتمليح الزيتون عمل جماعي يشترك فيه الكبار والصغار، يغسلون ويشقون ويرتبون، ويتبادلون الأحاديث والطرائف. وقد يكون الحلم حنيناً إلى تلك الأجواء الدافئة أو رغبة في إحيائها إن غابت. وهذا الحنين شعور إنساني نبيل لا يحتاج إلى تأويل معقد، ويمكن أن يتحول إلى زيارة قريب أو اجتماع على مائدة بسيطة. وبذلك يكون للحلم أثر طيب في الواقع دون أن يدعي علم الغيب.
وخلاصة القول أن ما ذكر اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يتخذ أساساً لقرار فعلي في تجارة أو زواج أو سفر. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمسلم يجعل ملجأه الدعاء وحسن الظن بربه مع الأخذ بالأسباب والتوكل عليه. نسأل الله أن يرزقنا القناعة والبركة في كل ما نملك.
