من المشاهد الهادئة في عالم الأحلام أن يرى النائم الملح يُلقى في الماء فيذوب فيه شيئًا فشيئًا حتى يختفي أثره المرئي ويبقى طعمه في الماء. وقد يكون الماء في كأس أو قدر أو إناء كبير، وقد يكون ماء بحر أو نهر، ويختلف الشعور من شخص إلى آخر بين الهدوء والتأمل. وكما في كل رؤيا، ينبغي أن يُنظر إلى هذا الحلم على أنه رمز يحتمل أكثر من وجه، وليس خبرًا عن أمر سيقع. وما سيرد من معان هو تأمل حذر لا يدّعي الإحاطة بشيء من الغيب.
الملح رمز للاعتدال والعشرة والحفظ، والماء رمز للحياة والرزق والصفاء وما يسري بين الناس من خير وعلم وراحة. فإذا ذاب الملح في الماء فكأن الشدة الجافة الصلبة اندمجت في الجريان اللين، وتحولت من حبات منفصلة إلى طعم متجانس. وقد يشير هذا إلى امتزاج الأمور في حياة الحالم، وإلى ذوبان ما كان بين شخصين من جفاء بالتقارب والتفاهم. وقد يشير أيضًا إلى أن بعض ما يشغل الإنسان يفقد حدّته مع الوقت حتى يصير جزءًا هادئًا من مجرى حياته.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله أهل هذا الباب، أن الماء يدل في الجملة على الحياة والمعاش، وأن الشيء الذي يُخلط به يدل على ما يختلط به من أحوال صاحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يذوب في الماء قد يدل على زوال أو انحلال بقدر ما يُرى، وأن الملح يتصل بالصحبة والمعيشة المعتدلة. وأقوال المفسرين تتفاوت في هذا ولا يخلو بعضها من تكلف أو ضعف في النسبة، فلا ينبغي أن يتعلق بها الإنسان، وإنما يمكن أن يتخذها مجرد مدخل للتأمل.
وتتغير الدلالة بحسب نوع الماء وحاله، فالماء الصافي يميل إلى بشارة الصفاء والسكينة، والماء العكر قد يميل إلى أن الأمور المختلطة فيها غموض لم ينجلِ. وسرعة الذوبان لها معنى، فالسريع قد يرمز إلى انحلال سهل لمسألة ما، والبطيء قد يرمز إلى حاجة الأمر إلى وقت وصبر. وإن بقي بعض الملح راسبًا في القاع فقد يدل على بقية من أمر لم يُحسم تمامًا. وإن ذاق الحالم الماء فوجده معتدلًا فهو أقرب إلى الرضا، وإن وجده شديد الملوحة فقد يشير إلى مبالغة في أمر ما.
وللمرأة المتزوجة قد يكون الحلم تعبيرًا عن رغبتها في أن يذوب ما بينها وبين زوجها أو أهلها من فتور أو سوء فهم، وأن تعود العشرة صافية سلسة. وقد يكون انعكاسًا لانشغالها بتدبير الطعام والشراب، وهذا أقرب. وإن رأت أنها تحرك الماء بيدها ليذوب الملح، فقد يُفهم من ذلك أنها تسعى بنفسها إلى التأليف بين الأطراف، وهو معنى حسن ما دام بلا مبالغة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن رغبتها في الانسجام مع محيطها الجديد، كزملاء أو أسرة أو بيئة دراسة، وعن مرحلة تذوب فيها حواجز التعارف. وللرجل قد يدل على اندماج في عمل أو شراكة، وعلى ذوبان خلاف بحسن الحديث. وللحامل قد يكون الحلم أثرًا من حاجتها إلى الماء والراحة، ولا يُبنى عليه شيء. وفي كل ذلك فالتأويل ظني لا جزم فيه.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يكون الماء ساخنًا أو باردًا، فالساخن يسرّع الذوبان وقد يرمز إلى حرارة الحوار الذي يحل الإشكال، والبارد قد يرمز إلى هدوء وتأنٍّ. وإن كان الماء في بحر فقد يرمز إلى سعة وانتشار، فالملح يعود إلى أصله، وفي ذلك معنى الرجوع إلى الأصل والفطرة. وإن كان في مشروب يقدَّم لأحد فقد يرمز إلى ما يقدمه الحالم للناس من أثر يخالط أحوالهم. وإن كان الذوبان متعمدًا لإذابة ورم أو تنظيف فقد يرمز إلى تطهير وصلاح.
وفي الحياة الواقعية تُستعمل محاليل الملح في الغرغرة والتنظيف والحفظ، وكان الناس يعدّونها نافعة في أحوال كثيرة. ولعل هذا الأثر هو ما جعل الصورة مألوفة في الذهن، فقد يكون الحلم صدى لاستعمال حديث أو لحديث سمعه الحالم. وإذا كان كذلك فإن البحث عن معنى أبعد قد لا يكون ضروريًّا، ويكفي أن تُترك الصورة في حجمها الطبيعي كخاطر من خواطر الليل لا يتجاوز ما اعتدناه من أحوالنا اليومية.
وعمليًّا ونفسيًّا، يوحي هذا الحلم بأن كثيرًا من العقد تُحل بالتمازج والتقارب والحوار الهادئ لا بالمواجهة الصلبة. فمن كان بينه وبين أحد جفوة فليبادر بالسلام والكلمة الطيبة، فإن القلوب كالماء إذا خالطها الملح بقدره صارت معتدلة. ومن أثقله أمر فليذكر أن مرور الوقت وحسن الصبر يخففان حدّته. وليتعلم الإنسان أن يندمج مع الآخرين دون أن يفقد نفسه، كما يمنح الملح الماء طعمًا من غير أن يخرج عن كونه ملحًا.
وفي الختام، كل ما قيل في تعبير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يصلح مستندًا لقرار في مال أو علاقة أو سفر. ومن أشكل عليه حلم فليستعن بالدعاء وليحسن الظن بالله تعالى، فالغيب لا يعلمه إلا هو، وهو سبحانه أعلم بما يصلح أحوال عباده. وليسعَ الإنسان بما أباح الله من أسباب، وليترك ما وراء ذلك لحكمة الله، فبذلك تسكن النفس وتستقر.
