من الرؤى العجيبة أن يرى الحالم السماء وهي تمطر ملحًا بدل الماء، فتتساقط الحبيبات البيضاء على الأرض والبيوت والناس، وتكسو المكان بطبقة مالحة. وهذا مشهد خيالي لا وجود له في الواقع، وهو من النوع الذي تبتكره الأحلام حين تمزج الصور المألوفة بعضها ببعض. وتختلف مشاعر الرائي بين الدهشة والانزعاج وربما الجمال. وينبغي أن نذكر دائمًا أن هذه الصور رموز لا إخبار فيها، فلا يُبنى عليها يقين ولا يُستدل بها على حدث قادم.
الملح يرمز إلى الاعتدال والعشرة والحفظ، وهو في الوقت نفسه قد يرمز إلى ما فيه شيء من الشدة إذا زاد على حدّه. والمطر في الرؤى يرمز غالبًا إلى ما ينزل على الناس من أرزاق وأحوال تعمّ، ويتفاوت وقعه بحسب شدته وأثره. فإذا اجتمعا فقد يدل الحلم على أمر يعمّ أو يكثر ويغمر الحالم أو محيطه، بحيث يكون فيه جانب نافع وجانب متعب. وقد يكون في ذلك تعبير عن كثرة التزامات أو أخبار أو مشاعر تنهال على الإنسان في مرحلة معينة.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتداوله أهل هذا العلم، أن المطر يدل في الجملة على رحمة أو على ما يعمّ الناس بحسب نوعه ومكانه، وأن نزوله بغير المعتاد يستدعي النظر في القرائن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتساقط من السماء على غير هيئته المعروفة قد يرمز إلى أمر غير مألوف يصيب الناس بقدر ما يظهر من أثره. وهذه الأقوال متضاربة في الغالب ولا يتأكد ثبوتها، فلا تُؤخذ حجة، وإنما هي إشارات يتأمل فيها الإنسان بحذر ثم يتركها.
وتتبدل الدلالة بحسب التفاصيل، فإن كان الانهمار خفيفًا هادئًا يلمع تحت الشمس فهو أقرب إلى جمال وبركة صغيرة، وإن كان غزيرًا يؤذي الزرع والعيون فهو أقرب إلى كثرة تُرهق. وإن كان الناس يفرحون به ويجمعونه فقد يرمز إلى منفعة مشتركة، وإن كانوا يفرون منه فقد يرمز إلى ضيق عام. ويهم أن ينظر الحالم إلى شعوره، فإن كان مطمئنًا فالأمر أخف، وإن كان مذعورًا فقد يعكس قلقًا أكبر من الواقع.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر الحلم عن كثرة أعباء المنزل والتزاماته التي تنهال عليها، أو عن مناسبات اجتماعية متتابعة. وإن رأت الملح يسقط على بيتها وهي تحاول حماية أهلها فقد يدل على حرصها على صون أسرتها من ضغوط تحيط بهم. وقد يكون في ذلك دعوة لطلب العون من أهل البيت وعدم حمل كل شيء بمفردها.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى كثرة اختيارات وآراء وتوقعات من حولها تنهال عليها، وقد تحتاج إلى هدوء وتمهل. وللرجل قد يرمز إلى تتابع التزامات في العمل أو الأسرة. وللتاجر قد يرمز إلى كثرة بضاعة أو طلبات. وللمريض قد يرمز إلى ثقل حاله، وله أن يطمئن بأن الأحلام لا حكم لها على عافيته، وأن عليه الدعاء والأخذ بأسباب العلاج.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يكون المطر الملحي قد نزل على أرض زراعية، فإن ذلك قد يدل على قلق من أثر ضار على الرزق، أو أن يكون قد نزل على بحر أو صحراء فلا يضر. وإن كان الحالم محتميًا تحت سقف فقد يدل على شعور بالأمان من ضغوط الخارج. وإن كان يتذوق ما يسقط عليه فقد يدل على رغبته في فهم ما يصيبه. وإن انقلب في النهاية ماءً عذبًا فقد يرمز إلى زوال الشدة وعودة الصفاء.
ويحسن أن نذكر أن التصور الخيالي للمطر المالح قد ينشأ من خبر قرأه الحالم أو مشهد في فيلم أو حكاية عن أمطار غريبة، فيختلط بالمشاعر الداخلية. وكثير من الأحلام الكبيرة المشاهد تكون في أصلها ضجيجًا ذهنيًّا لا أكثر. ومن الحكمة ألا نبني على غرابة الصورة وزنًا زائدًا، فالأحلام الغريبة هي أكثر الأحلام شيوعًا حين يكون العقل منهكًا، ولا تدل على شيء غير ذلك في الأغلب.
وعمليًّا ونفسيًّا، يدعو هذا الحلم إلى النظر في ما يفيض على حياتنا من ضغوط وأخبار ومشاعر، وإلى التمهل في استقباله بدل الذعر. ويمكن للإنسان أن يرتب أولوياته وينظم وقته، وأن يختار ما يتلقاه من أخبار ومشاغل، وأن يطلب العون من أسرته وأصدقائه. فالاعتدال في ما يدخل حياتنا كالاعتدال في الملح، لا نملّح الطعام حتى يفسد ولا نترك عليه حتى يفقد طعمه، ومن أحسن الموازنة هانت عليه الأيام.
وفي الختام، فإن هذا التعبير كله اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساسًا لقرار في مال أو عمل أو غيره. وعلى من أزعجته رؤيا أن يلجأ إلى الله بالدعاء وأن يحسن الظن به، فالغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أرحم بعباده من أن يريد بهم ما يخيفهم بلا سبب. فليأخذ كل إنسان بالأسباب المباحة وليطمئن إلى أن ما يقدّره الله له فيه الخير وإن لم يتبين وجهه سريعًا.
