حقول الملح في المنام صورة بديعة تُرى فيها أحواض مستوية متجاورة تلمع تحت الشمس، يجف الماء فيها ببطء ويترك طبقات بيضاء ناصعة. وقد يرى الرائي نفسه يسير بين هذه الأحواض أو يراقب عمالا يجمعون الملح أو يقف أمامها يتأمل. وهي من الصور الجميلة التي تبعث على السكينة، وتختلف عن صورة المنجم أو الجبل بما فيها من هدوء وانتظام. وكل ما سنورده من تفسير استئناس وليس جزما.
الحقل في الرؤيا يرمز إلى العمل والزرع والحصاد، وإلى ما يضعه الإنسان من جهد وينتظر ثمرته. وحقول الملح خصوصا تقوم على عنصر الصبر والوقت، إذ لا تُجمع إلا بعد أن تتبخر مياه البحر بحرارة الشمس على مهل. ولذلك فهي ترمز إلى رزق ينضج بالتأني، وإلى نتيجة حسنة تأتي بعد مدة من الانتظار والعمل المنظم. وفيها كذلك معنى الاعتدال والتنظيم، فالأحواض مرتبة والعمل فيها منسق، فهي صورة لحياة منظمة هادئة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نقل عنه أن الزرع والحصاد يدلان على العمل وثمرته، وأن الملح يدل على صلاح المعاش. وذهب بعض المفسرين إلى أن الشمس في الرؤيا قد تدل على سلطان أو على ظهور أمر، فتكون الشمس التي تجفف الملح رمزا لظهور ثمرة الجهد. وفي بعض ما نُقل عن النابلسي أن الملح مرتبط بمشقة يسيرة، وهذه المشقة هنا هي صبر الانتظار وحرارة الشمس. ولا يوجد نص ثابت على هذه الصورة، فهي من باب القياس الذي يختلف فيه الناس.
وتتغير الدلالة بحسب ما يفعله الرائي، فإن كان يجمع الملح بيده فهو أقرب إلى كد يثمر، وإن كان يراقب فقط فهو أقرب إلى انتظار وتأمل، وإن كان يعمل مع جماعة فهو أقرب إلى مشروع مشترك. وإن كانت الأحواض ممتلئة ملحا فهو أقرب إلى وفرة، وإن كانت ما تزال مليئة بالماء فهو أقرب إلى مرحلة لم تنضج ثمرتها بعد. وإن كان الجو صافيا مشمسا فهو أقرب إلى بشرى، وإن كان غائما ماطرا فقد يدل على تأخر الثمرة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل حقول الملح على مشروع تصبر عليه، كدراسة أو حرفة أو مهارة تنمّيها، وعلى نتيجة طيبة تأتي بالتدرج. وللمرأة المتزوجة قد تشير إلى جهد هادئ متواصل في بيتها وأسرتها يثمر استقرارا، وإلى ما تدّخره بصبر. وللحامل قد ترمز إلى مرحلة انتظار تنضج فيها ثمرة غالية، وفي الصورة إيحاء بالسكينة والصبر الجميل. وهذه قراءات احتمالية.
وللرجل قد تدل حقول الملح على استثمار طويل النفس أو على عمل زراعي أو تجاري يحتاج إلى مدة، وعلى كسب قليل متكرر يتجمع. وللتاجر قد تشير إلى سلعة أساسية ثابتة الطلب أو إلى استثمار منظم المراحل. وللحرفي قد ترمز إلى مهنته التي ينضج فيها بالممارسة. وكلها قراءات تتبع حال كل شخص.
ومن دقائق التفاصيل وجود أدوات الجمع كالمجارف والعربات، فهو يشير إلى تجهيز وتخطيط، ووجود الطيور على الأحواض يشير إلى حياة وأنس. ومنها لون الملح، فالناصع الأبيض أصفى دلالة من الرمادي. ومنها قرب البحر، فمن رأى الحقول قرب البحر ربط الرزق بسعة وانفتاح. ومنها الحرارة التي يحس بها في الحلم، فالحر الشديد يدل على مشقة، والدفء اللطيف يدل على راحة. ومنها الرائحة، فمن أحس برائحة البحر ارتاحت دلالته.
وفي الجانب النفسي قد يكون الحلم رسالة تدعو إلى الصبر على ما نعمل، فكثير من ثمار الحياة لا تُجنى في يوم وليلة، وإنما هي نتيجة تجفيف بطيء لما نبذله من جهد. وقد يدعو إلى ألا يستعجل الإنسان نضوج أمره وألا يقيس نجاحه بسرعة غيره. وفيه تشجيع على الانتظام في العمل اليومي الصغير، فالأحواض الصغيرة تكبر بالجمع المتواصل. وهذه معان تربوية تنفع كل رائي.
كما أن في هذه الصورة ما يشير إلى التعاون، فحقول الملح لا تقوم إلا بجهد عدد من العاملين المنظمين، وهذا يذكّر بقيمة العمل الجماعي والاعتراف بفضل كل من يسهم في ثمرة واحدة. فمن رأى هذه الصورة فقد يتأمل ما يدين به لغيره من فضل في رزقه، فيشكرهم ويحفظ لهم عشرتهم. وهذا ما يتسق مع المعنى العام للملح في الرموز.
ومن الأمور التي قد تضيف عمقا لهذه الرؤيا أن حقول الملح تعتمد على تقدير دقيق للوقت والطقس، فالعامل فيها يعرف متى يفتح الماء إلى الأحواض ومتى يحبسه ومتى يجمع، وهذه الدقة رمز لحسن التقدير في الأمور. فمن أراد أن يستفيد من الصورة فليسأل نفسه عن توقيت قراراته، وهل يعجل في موضع يستحق الانتظار أو يؤخر في موضع يستحق المبادرة. وهذا السؤال نافع في أي حال، سواء كان للحلم تأويل أم لم يكن. وبهذا يتحول المشهد من رموز غامضة إلى درس عملي في حسن التوقيت والتدبير.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء، ولا يصح أن يكون أساسا لقرار حقيقي في استثمار أو عمل أو غيره. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله وبذل الجهد في ما ينفعه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يحيط بأمر الغد سواه.
