الطعام بلا ملح في المنام صورة غريبة بعض الشيء، فالرائي لا يرى ملحا ولا زيادة ولا نقصا، وإنما يرى طعاما خاليا منه تماما، فيأكله أو يقدمه أو يتأمله وهو بلا طعم يُذكر. وقد تكون هذه الرؤيا في بعض الأحيان تعبيرا عن نظام غذائي يتبعه الإنسان أو عن تجربة صحية يمر بها، فلا يُسرع إلى تحميلها معنى رمزيا. غير أن أهل التعبير وقفوا عند الطعام الخالي من الملح وقفة تأمل، لأنه يلخص غياب عنصر أساسي في المعيشة. وهذه الأقوال استئناس بالرموز وليست أحكاما نهائية.
فإذا كان الملح يرمز إلى العشرة والاعتدال وصلاح المعاش، فإن غيابه التام يرمز في عرف بعض المفسرين إلى معيشة قد تكون كافية في ظاهرها لكنها تفتقر إلى ما يعطيها طعمها، كالعشرة الدافئة أو الشعور بالبركة. وقد يرمز إلى علاقة قائمة على الواجبات دون ود، أو إلى عمل يُؤدى بجد دون شغف. وليس الأمر سلبيا بالضرورة، فبعض الناس يقتصدون في الملح لصحتهم، وهو معنى يمكن أن يُقرأ على أنه زهد وانضباط. فالصورة ذات وجهين، ويختار الرائي أقربهما لحاله.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نقل عنه أن الطعام عموما يدل على المعيشة وما يناله المرء منها، ويكون الملح فيه من علامات صلاحها. وذهب بعض المفسرين إلى أن الطعام بلا ملح قد يدل على رزق يأتي بلا طعم أو بلا فرحة، أي رزق بعد عناء أو بغير سرور. وفي بعض ما نُقل عن النابلسي أن الملح يرتبط بمشقة يسيرة، فإذا غاب فقد يشير الغياب إلى أن الشدة غير حاضرة أصلا. وقد تباينت هذه التأويلات تباينا ظاهرا، فلا يُعتمد على واحد منها بيقين.
ومن العوامل التي تغير المعنى حال الرائي أثناء الحلم، فإن أكل الطعام الخالي من الملح مستسلما راضيا فهو أقرب إلى القناعة والصبر. وإن تضايق وبحث عن الملح فلم يجده فهو أقرب إلى شعور بالنقص أو إلى حاجة لم تُلبَّ. وإن كان الطعام شهيا في منظره لكنه بلا طعم، فقد يعكس تفاوتا بين الشكل والجوهر في أمر ما، كمظهر لامع يخفي فتورا. وكذلك فإن كثرة الطعام أو قلته تضيف إلى التأويل بعدا، فالمائدة العامرة الباهتة تختلف عن الوجبة المتواضعة الباهتة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس هذا الحلم تطلعها إلى حياة أكثر دفئا وبهجة، أو شعورها بأن بعض علاقاتها شكلية. وللمرأة المتزوجة قد يدل على رغبتها في أن تُضفي على البيت روحا أحلى، وربما على شعورها بأن الواجبات اليومية طغت على لحظات الود. وللحامل قد يرتبط بتعليمات غذائية أو بتغير في الذوق خلال الحمل، وهو تفسير واقعي لا يحتاج إلى رمز. وكلها احتمالات متفاوتة.
وللرجل قد يرمز الطعام الخالي من الملح إلى عمل يؤديه بجد لكنه بلا متعة، أو إلى علاقة أخوية فتر دفؤها. وللتاجر قد يشير إلى تجارة تدر ربحا لكن بلا بركة ظاهرة أو إلى مرحلة من الجمود. وللموظف قد يعبر عن روتين متكرر لا يضيف جديدا. ومن حسن الفهم ألا يتخذ أحد من ذلك حكما على عمله أو علاقاته، فالأمر قد يكون مجرد لحظة تعب.
ومن دقائق التفاصيل أن يُسأل عن نوع الطعام، فالخبز بلا ملح يختلف عن الحساء بلا ملح، فالأول يتعلق بالرزق الأساسي والثاني بالدفء والعناية. ومنها كذلك ما إذا كان الرائي هو الطاهي أو الضيف، فالطاهي يحاسب نفسه على التقصير، والضيف يتأمل ما يُقدَّم له من الآخرين. ومنها ما إذا كان في الحلم ملاحة قريبة يمكن الوصول إليها، فذلك يشير إلى أن علاج الفتور قريب في متناول الرائي إن أراده.
ومن الزاوية النفسية فإن الحلم قد يطلب من صاحبه أن ينظر في الأمور التي تفتقر إلى النكهة في حياته، وأن يسأل نفسه بصدق عما يمكن إضافته: أهو وقت للأحباب، أم عبادة بخشوع أكبر، أم هواية ينسى بها همّه. فالطعام الكامل ليس الغني فقط، بل المتوازن. وقد يدفع الحلم الإنسان أيضا إلى شكر النعم التي اعتاد عليها حتى غاب عنه طعمها. وهذه معان يمكن أن يخرج بها أي رائي دون الحاجة إلى ادعاء علم الغيب.
كما ينبغي ألا يُهمل الجانب الصحي أحيانا، فمن كان في حمية خالية من الملح بنصيحة طبية فقد يرى هذا المشهد انعكاسا لما يعيشه فعلا في يومه. وفي هذه الحالة لا حاجة إلى البحث عن رمز، فالحلم يكرر ما تعلق به الذهن. وهذه من أهم القواعد في فهم الأحلام عند العقلاء: أن يُنظر أولا إلى ما يشغل صاحب الرؤيا في واقعه قبل التماس معنى خفي.
وخلاصة القول إن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يُركن إليه في اتخاذ قرارات حقيقية، لا في مال ولا عمل ولا علاقة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وبالسعي في ما ينفعه. والغيب كله بيد الله وحده، ولا يعلم أحد من الخلق ما سيكون إلا بما علمه الله.
