الملح في الصحراء في المنام مشهد يجمع بين الجفاف والملوحة، فقد يرى الرائي أرضا قاحلة تبرق عليها طبقة بيضاء من الملح كأنها صقيع في حر النهار، أو يجد بين الرمال بقعا ملحية متشققة. وهي صورة تبعث على الصمت والتأمل، وقد يستيقظ الرائي منها وهو يشعر بالعطش أو بالوحدة. وكثيرا ما تأتي هذه الصورة مما يشاهده الناس من مناظر الصحارى والسباخ في الأفلام والرحلات. وسنعرض ما يمكن أن يفيده أهل التعبير على سبيل الاستئناس لا القطع.
الصحراء في الرؤيا ترمز عادة إلى الخلو والغربة وإلى مرحلة تفتقر إلى الأنيس والموارد، كما ترمز في بعض المواضع إلى الصفاء والتأمل والبعد عن صخب الناس. والملح فيها يضيف معنى الجفاف المُرّ، فهو أثر الماء الذي جف وبقيت منه ملوحته. وقد يدل ذلك على مرحلة جافة من العلاقات أو الرزق بعد خير سابق، أو على بقايا تجربة مرت ولم يبق منها إلا طعمها. وفيه أيضا معنى الحفظ، فالأرض الملحية تحفظ آثار ما كان عليها، فقد يتصل الأمر بذكريات قديمة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نقل عنه أن الصحراء والبراري تدل على الغربة وعلى سفر أو مشقة، وأن الأرض القاحلة قد تدل على قلة الخير في حال. وذهب بعض المفسرين إلى أن الملح يدل على صلاح المعاش في أصله لكنه في الأرض يفسد الزرع ويدل على جدب. وفي بعض ما نُقل عن النابلسي ما يربط الملح بمشقة يسيرة، وقد تتوافق مع قسوة الصحراء. ولا يخلو الأمر من اختلاف بين المفسرين، فما كان قياسا لا يُعد حكما.
وتتغير الدلالة بحسب ما يفعله الرائي في الصحراء، فإن كان يسير بثبات حاملا زاده فهو أقرب إلى استعداد حسن لمرحلة صعبة. وإن كان ضالا حائرا فهو أقرب إلى حيرة في قرار أو اتجاه. وإن وجد ماء بعد الملح فهو أقرب إلى فرج بعد جفاف، وإن لم يجد فهو أقرب إلى شعور بالنقص لم يُعالج. وإن كان الوقت ليلا والنجوم ساطعة فالأمر أقرب إلى سكينة وتأمل، وإن كان نهارا قائظا فهو أقرب إلى مشقة ظاهرة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعبر الصورة عن شعور بالعزلة أو بفراغ عاطفي مؤقت، أو عن رغبة في الابتعاد عن ضجيج الناس لتفكر في أمرها. وللمرأة المتزوجة قد تشير إلى فتور مؤقت في العلاقات أو إلى إحساس بالتعب من كثرة الأعباء، مع ما فيها من دعوة إلى سقيا الود بالكلمة الطيبة. وللحامل قد ترتبط بالشعور بالتعب والجفاف الجسدي وحاجتها إلى الماء والراحة، وهو معنى واقعي قريب. ولا قطع في ذلك كله.
وللرجل قد تدل على مرحلة قلة في العمل أو الرزق ينبغي له فيها التدبير والصبر، أو على سفر طويل. وللتاجر قد تشير إلى كساد مؤقت أو إلى أسواق بعيدة عنه، مع ما يستلزمه من تدبير الزاد قبل الرحلة. وللمغترب قد تكون صدى لحنين وغربة. والقراءة تتبع حال صاحبها وظروفه، فلا تنطبق قاعدة واحدة على الجميع.
ومن التفاصيل التي تثري التفسير وجود آثار أقدام على الملح، فهي تدل على سبق أحد وترك أثر، وقد تشير إلى وجود طريق مسلوك يمكن اتباعه. ومنها وجود سراب أو بريق خادع، فهو يشير إلى أمل قد لا يكون كما يبدو. ومنها وجود قافلة أو رفيق، فالصحبة في الصحراء رمز العون والأنس. ومنها شكل الأرض، فالمتشققة تشير إلى حاجة ماسة للرحمة والغيث، والمستوية تشير إلى سهولة نسبية.
وفي الجانب النفسي قد يكون الحلم تعبيرا عن مرحلة يمر بها الإنسان يشعر فيها بجفاف عاطفي أو روحي أو مهني، ولعله يحتاج إلى وقفة يعيد فيها ترتيب أولوياته. فالصحراء لا تدوم دائما، وللمسافر فيها زاد وماء إن أحسن تدبيرهما. وقد يكون الحلم دعوة إلى أن يعتني الإنسان بما يرويه من علاقات وعبادات وهوايات، فلا يترك روحه تجف. وهذه معان تربوية بسيطة.
وقد يُنظر إلى هذه الصورة كذلك من زاوية الصبر على الاختبار، فالملح في الأرض المجدبة لا يمنع المطر من أن يعود يوما فتنبت الأرض. وفي هذا بعض الأمل الذي ينبغي ألا يغيب عن الرائي، فالحياة ليست سطرا واحدا من الجفاف. غير أن الأمل لا يعني الجزم بحدوث أمر محدد، وإنما هو تفاؤل مشروع يقترن بالسعي وحسن الظن بالله.
ويحسن أن يتذكر الرائي أن الأحلام التي فيها عطش أو جفاف قد تكون جسدية المصدر، فمن نام وهو عطشان أو في غرفة جافة الهواء قد يرى مثل هذه الصور. ولذلك ينبغي ألا تُحمَّل أكثر مما تحتمل، وأن يُنظر إلى حال الجسد قبل البحث عن حال الغيب. وهذه القاعدة العملية تغني كثيرا عن الوساوس والتأويلات المتكلفة.
وفي الختام، فإن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح البناء عليه في اتخاذ قرارات حقيقية في السفر أو المال أو العلاقات. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله والأخذ بالأسباب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يطلع عليه أحدا من خلقه إلا بما شاء.
