رؤية الملح داخل المسجد من المناظر الغريبة بعض الشيء، إذ يجتمع فيها رمز من رموز الطعام والبيوت مع مكان مخصص للعبادة والسكينة. ومثل هذه الأحلام تتكرر عند من يكثر التردد على المسجد أو من يمر بمرحلة يبحث فيها عن الهدوء والصفاء، وقد لا يكون لها أكثر من هذا الأصل النفسي. والتفسير فيها رمزي بحت، فلا ينبغي أن يؤخذ على أنه إخبار عن أمر محدد سيقع. وما يعين على الفهم هو تذكر تفاصيل المشهد، كأين كان الملح، ومن كان حاضراً، وما شعور الرائي حين رآه.
يرمز الملح عموماً في عالم الرؤى إلى الاعتدال الذي يضبط طعم الأشياء، وإلى رابطة العشرة بين الناس، كما يرمز إلى الحفظ والاستمرار. ولأن المسجد مكان يجتمع فيه الناس على الألفة والأخوة، فقد يميل بعض المعبرين إلى أن اجتماع الملح بالمسجد يومئ إلى صحبة صالحة وتآلف بين القلوب. وقد يرى آخرون فيه تلميحاً إلى أن الإنسان يحتاج إلى أن يضبط توازن حياته بين شؤون دنياه وشؤون دينه. ولا يعدو هذا كله أن يكون تأملاً رمزياً لا يقطع بشيء.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عن تعبيراته أن المسجد في المنام يدل على مكان الخير والطمأنينة والاجتماع على البر، وأن الملح يحمل على اعتدال العيش، ولذلك يجمع بعضهم المعنيين فيقولون بصلاح في الحال مع قدر من الكلفة. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى أن الأشياء إنما تفسر بحسب مواضعها وأحوال رائيها لا بحسب ظواهرها. ويختلف المفسرون في هذا الباب اختلافاً واسعاً، ولذلك لا يصح الجزم بتأويل واحد لا يحتمل غيره. والأحوط أن يؤخذ من أقوالهم ما يوافق الحال ويترك ما سواه.
وسياق الحلم يغير المعنى كثيراً، فإن كان الملح نظيفاً موضوعاً في مكان لائق دل ذلك عند من يفسر على صفاء في العلاقات وهدوء في النفس، وإن كان منثوراً على الأرض أو متسخاً فقد يكون إشارة إلى ما يعكر الصفو من خلاف يسير أو كلام لا يليق. وإن كان الرائي يوزع الملح على المصلين فربما أشار ذلك إلى رغبته في خدمة الناس وإصلاح ذات البين. وإن كان يجمعه من الأرض ويرده فقد يعبر عن محاولته إصلاح ما فسد في علاقاته.
أما الفتاة غير المتزوجة فقد يشير حلمها إلى حاجتها إلى صحبة صالحة وبيئة طيبة، وإلى تطلع قلبها إلى حياة هادئة قائمة على الخلق الحسن. وقد يكون انعكاساً لحرصها على الاستقامة وطلبها للسكينة وسط ضجيج الأيام. وإن شعرت بالراحة في الحلم فذلك أقرب إلى الأنس والطمأنينة، وإن شعرت بالحرج فقد يكون ذلك تعبيراً عن خوف من نظرة الناس أو من التقصير.
وللمرأة المتزوجة قد يشير الملح في المسجد إلى رغبة في أن يقوم بيتها على الصلاح والتعاون، وفي أن يكون طعم حياتها الأسرية معتدلاً مباركاً. وللحامل قد يكون الحلم من قبيل خواطر الطمأنينة على الجنين وطلب السلامة، وهو أقرب إلى حديث النفس. وللرجل قد يشير إلى صلاح الرفقة وإلى رغبة في تنظيم شؤونه بين العمل والعبادة، وللتاجر قد يرمز إلى سعي في رزق حلال معتدل مع حرص على الأمانة.
ومن الدقائق التي يلتفت إليها المعبرون أن موضع الملح في المسجد قد يعطي إشارة، فإن كان عند الباب فقد يشير إلى مدخل علاقة جديدة أو بداية أمر، وإن كان في الصف الأول فقد يلمح إلى صحبة أهل الفضل. وإن كان الملح في وعاء صغير يدور بين الناس فهو قريب من معنى المشاركة والتواصي بالخير. وإن اختلط بالتراب فقد يلمح إلى هموم يسيرة تمر ثم تزول، دون أن يكون في ذلك جزم.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم يدعو الإنسان إلى أن يوازن بين طعم دنياه وصفاء دينه، فلا يطغى أحدهما على الآخر. ويذكره بقيمة العشرة الطيبة في مجتمع المسجد، وبأن حفظ الأخوة يحتاج إلى حسن الظن وكلمة طيبة. وإن كان الرائي يحمل شيئاً من المرارة تجاه أحد في محيطه فقد يكون الحلم دعوة لطيفة للصفح والعفو. فليجعل الإنسان من الحلم مناسبة لتحسين سلوكه لا لتتبع الإشارات.
ومن الحكمة ألا يشغل الإنسان نفسه بتفاصيل الرؤى أكثر من اللازم، فالأحلام كثيراً ما تنسج من بقايا النهار ومشاعره، والمسجد والملح كلاهما مألوف يتكرر في الذهن. فإن وجد في الحلم خيراً فليشكر الله، وإن وجد فيه ما يقلق فليستعذ بالله ولا يحدث به أحداً دون حاجة. وليستمر في عمله وعبادته على ما هو عليه، وليجعل تفكيره في الأسباب المشروعة لا في الإشارات المنامية.
والخلاصة أن كل ما قيل هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يكون أساساً لقرار في الواقع من زواج أو معاملة أو سفر أو غير ذلك. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمسلم يلجأ عند الرؤى إلى الدعاء وحسن الظن بربه ويمضي في أعماله بتوكل وطمأنينة. ويكفي الإنسان أن يزداد قلبه قرباً من الله بما رأى أو لم ير.
