قد يرى الإنسان في منامه الملح يتصل بالكلام، كأن يرى نفسه يتكلم فيخرج من فمه ملح، أو يسمع كلاماً مالحاً، أو يضع ملحاً على لسانه أو في حديثه مع غيره. وهذه صورة غريبة تتناسب مع التعبيرات الشائعة التي تصف الكلام بأنه ملحوظ أو مالح أو بلا ملح، أي خفيف أو ثقيل الظل. وقد يراها من يفكر فيما قاله أو سمعه، أو من يخشى زلة لسان. والتفسير رمزي لا جزم فيه، وغايته الاستئناس والتأمل في أمر اللسان.
اللسان والكلام في موروث التعبير يرتبطان بما يقوله الإنسان من أقوال وبما يصدر عنه من صدق أو كذب أو لطف أو إيذاء. والملح رمز للاعتدال الذي يضبط الطعم، فإذا اقترن بالكلام فقد يشير إلى حاجة الكلام إلى اعتدال وحكمة، فلا يخلو من لطف ولا يكثر فيه ما يجرح. وقد يرمز كذلك إلى كلام فيه حدة أو لذعة إن زاد الملح، أو إلى كلام ممتع ظريف إن كان معتدلاً. وهي معان عامة يستأنس بها ولا يقطع بها.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه أن الكلام في المنام يعبر بحسب ما يقال وحال من يقوله، وأن ما يخرج من الفم قد يدل على قول أو عمل أو رزق بحسب نوعه. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى اعتبار حال الرائي ومقام الكلام. ويحمل الملح عندهم على الاعتدال وشيء من الكلفة. وقد اختلف المفسرون فيما يعبر به الخارج من الفم وما يقال، فلا ينبغي أن تؤخذ هذه الأقوال حكماً ثابتاً.
ويتغير المعنى بحسب مشهد الحلم، فإن كان الملح الخارج من الفم أبيض نظيفاً ومعتدلاً فقد يعبر عن كلام طيب مقبول ونصح متزن. وإن كان كثيراً يؤلم ويجرح فقد يعبر عن كلام حاد أو ندم على قول. وإن كان الكلام يخرج بلا طعم فقد يلمح إلى حديث بلا فائدة. وإن كان الرائي يسمع كلاماً مالحاً من غيره فقد يعبر عن حديث مؤلم سمعه أو يخشى سماعه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى حرصها على انتقاء كلامها أو إلى انزعاجها من حديث سمعته، أو إلى خوفها من نقد الناس. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حاجتها إلى حسن الحوار في بيتها وضبط نبرة الحديث في الخلاف، وللحامل قد يعبر عن تقلب المزاج وحساسية الكلمة في هذه المرحلة، وهذا مفهوم وطبيعي.
وللرجل قد يشير الحلم إلى مراجعة ألفاظه في عمله وبيته وعلاقاته، وإلى حاجته إلى ضبط الغضب. وللتاجر قد يشير إلى أهمية صدق الحديث وحسن الأسلوب في البيع والتعامل، فالكلمة الطيبة تعين على كسب الثقة. وكل ذلك معان تربوية تؤخذ من الصورة، وليس فيها جزم بوقوع حدث ولا اتهام لأحد.
ومن الدقائق التي يستأنس بها بعضهم أن طعم الملح على اللسان إن كان محتملاً فقد يشير إلى كلام صادق وإن كان فيه شدة، وإن كان لا يحتمل فقد يشير إلى كلام جارح. وإن كان الملح يذوب في الفم فقد يلمح إلى كلام يزول أثره، وإن كان يلتصق فقد يلمح إلى كلمة يبقى أثرها. وإن كان الرائي يسكت عن الكلام عمداً فقد يكون في ذلك معنى الحكمة. وهي كلها احتمالات تأملية.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم يذكر الإنسان بمسؤولية الكلمة، فكم من كلمة هونت وهي عظيمة الأثر، وكم من كلمة طيبة أصلحت قلباً. وهو دعوة لأن يزن الإنسان ما يقول قبل أن يقوله، فلا يكثر الملح فيؤذي ولا يخلو الكلام منه فيفقد الصدق والصراحة. وكما أن الطعام الجيد يحتاج إلى ميزان دقيق، فكذلك الكلام الجيد يحتاج إلى حكمة وروية.
وهذا المعنى يتصل بما يعرفه الناس من ضرورة حفظ اللسان عن الغيبة والنميمة والسخرية، فهذه من أكثر ما يفسد العلاقات ويجرح القلوب. ومن رأى الحلم فليجعله مناسبة لمراجعة لسانه وتهذيبه، وليدع الله أن يرزقه الكلمة الطيبة. وهذا أنفع بكثير من الانشغال بتأويل الصورة. فمن حفظ لسانه استراح وأراح.
وكذلك ينبغي ألا يتحول الحلم إلى سبب لخوف مفرط من الكلام أو انطواء على النفس، فالإنسان محتاج إلى التعبير عن مشاعره وآرائه بصدق ولطف. والمطلوب هو الاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط. ولا بأس بأن يستشير الإنسان أهل الحكمة في طريقة التعبير عن أمر يضايقه. وبهذا يصبح اللسان أداة بناء لا هدم.
ومما يحسن ذكره أن الكلام المعتدل لا يعني المجاملة الكاذبة ولا الصمت عن الحق، بل يعني أن يقول الإنسان الحق بأسلوب لا يجرح. فالنصيحة التي تأتي في وقتها وبعبارة لطيفة تصل إلى القلب، أما التي تأتي بجفاء فقد تنفر وإن كانت صادقة. وفي هذا المعنى يكمن جانب من فهم الملح في الكلام، فهو قدر معلوم يحسن الحديث ولا يطغى عليه. ومن تأمل هذا المعنى وطبقه في حياته اليومية فقد أحسن الاستفادة من حلمه.
وخلاصة القول أن هذا اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ أساساً لقرار حقيقي في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله، والمسلم يلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب، ومنها حفظ اللسان. نسأل الله أن يرزقنا القول السديد والكلمة الطيبة.
