قد يرى الإنسان في منامه أنه يتعرق فيجد طعم العرق مالحاً أو يرى الملح مترسباً على جلده أو على ثيابه بعد جهد، وهي صورة مألوفة عند من يعملون بأيديهم أو يمارسون الرياضة أو يعيشون في أجواء حارة. وكثيراً ما يكون الحلم انعكاساً لحرارة الجو أو لثقل اللحاف أو لتعب جسدي في الليلة نفسها. ومع ذلك فقد يتأمل فيه المفسرون معاني رمزية. والتفسير فيه رمزي لا جزم فيه، ويستأنس به على سبيل الفهم العام لا غير.
العرق في موروث التعبير يرتبط بالجهد والكد والتعب في طلب الرزق، وقد يرتبط بالخوف أو الحياء أو المرض بحسب الحال. والملح يرمز إلى الاعتدال وإلى الكلفة والمشقة إذا زاد، وإلى الحفظ والبقاء. فإذا اجتمعا قد يشير ذلك إلى رزق يأتي بعد تعب، ومال مكتسب بجهد، وأثر باقٍ لعمل مضنٍ. وفي ثقافة الناس يقال عن الرزق الحلال إنه ثمرة عرق الجبين، فتتناسب الصورة مع هذا المعنى.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه أن العرق قد يدل على الكد والتعب أو على همّ أو مرض أو خوف، وأن حاله تختلف بحسب كثرته ورائحته وموضعه. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى نحو ذلك مع اعتبار حال الرائي. ويحمل الملح عندهم على الاعتدال وشيء من الكلفة، ولذلك يجمع بعضهم المعنيين فيقولون بتعب في تحصيل المعاش. وقد اختلفوا في تفاصيل ذلك، فلا يصح الجزم بشيء.
ويتغير المعنى بحسب مشهد الحلم، فإن كان الرائي يعمل بنشاط ويتعرق وهو راضٍ فقد يدل ذلك على جهد مثمر ورزق يأتي بالعمل. وإن كان العرق من خوف أو قلق فقد يكون انعكاساً لضغط نفسي. وإن كان طعمه شديد الملوحة مزعجاً فقد يعبر عن مشقة أو إرهاق زائد يحتاج إلى راحة. وإن كان الملح يتجمع على الثياب فقد يلمح إلى أثر باقٍ لجهد طويل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى جهدها في الدراسة أو العمل أو في خدمة أهلها، وإلى رغبتها في أن يثمر هذا الجهد. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تعبها في أعمال البيت ورعاية الأسرة، وحاجتها إلى التقدير والراحة. وللحامل قد يرتبط الحلم بتغيرات حرارة الجسم وكثرة التعرق في هذه المرحلة، فهو في الغالب من آثار الجسد.
وللرجل قد يشير الحلم إلى سعيه في تحصيل المعاش وتحمله المسؤوليات، وإلى رغبته في أن يثمر جهده ويقدر. وللتاجر قد يشير إلى تعب في بناء تجارته وإلى أن الربح الحقيقي ثمرة صبر ومثابرة. وهذه معان تحفيزية جميلة تتناسب مع الصورة، ولا تعد بنجاح ولا تحذر من فشل. فالنجاح والفشل بيد الله وحده مع الأخذ بالأسباب.
ومن الدقائق التي يلاحظها بعضهم أن العرق البارد غير الدافئ، وأن العرق الذي يأتي مع التعب الجسدي غير الذي يأتي مع الخوف، وأن رائحته قد تدل على حال معين. وإن كان الرائي يمسح عرقه بمنديل نظيف فقد يخطر معنى الراحة بعد التعب، وإن كان يشرب بعده ماء فقد يخطر معنى الفرج بعد الجهد. وكل ذلك تأملات خفيفة لا يبنى عليها حكم.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم قد يكون تذكيراً بقيمة العمل والجهد، وبأن الرزق الحلال يستحق التعب. وهو كذلك دعوة للعناية بالجسد، فمن أكثر من الجهد فعليه أن يشرب الماء ويستريح ويتفقد حاله الصحي. وإن كان التعرق الليلي المتكرر حقيقياً مزعجاً فالأولى استشارة الطبيب، فلا يترك الأمر لتفسير الأحلام. والتوازن بين العمل والراحة من الحكمة.
وقد يتذكر المرء بالحلم من تعبوا من أجله من والدين ومعلمين وأصحاب فضل، فيمتلئ قلبه شكراً لهم. وقد يدفعه ذلك إلى الدعاء لهم ورد الجميل بما يستطيع. وهذا من أجمل ما يمكن أن يخرج به المرء من حلم بسيط كهذا. والشكر بابٌ واسع تتسع به الأرزاق والقلوب.
والعمل بالجهد الجسدي له قيمة خاصة في نظر الناس، فهم يحترمون من يكد ويتعب ويأكل من عمل يده، ويرون في ذلك شرفاً ورجولة وعزة نفس. ولذلك فإن كثيراً من الأحلام التي تدور حول العرق والتعب تكون صدى لاعتزاز الإنسان بجهده أو لرغبته في أن يقدره الآخرون. وهذا الاعتزاز إن كان معتدلاً فهو خلق حسن، وإن زاد فقد يتحول إلى تعالٍ أو ضيق بمن لا يقدرون. والملح بمعناه الاعتدالي يذكر بالوسط بين الحالين.
كما ينبغي ألا يغيب عن البال أن الرزق ليس كله ثمرة العرق وحده، فكم من إنسان تعب كثيراً ولم يجن كثيراً، وكم من آخر سهل عليه ما يتعب غيره. وهذا من حكمة الله في توزيع الأرزاق، ولا يعني أن الجهد لا قيمة له. فالمطلوب بذل الأسباب مع الرضا بما قسم الله، وعدم الحسد لمن يرى أنه أخذ أكثر. وهذا الفهم المتوازن يخفف عن القلب كثيراً من الهم.
وخلاصة ما سبق أنه اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ أساساً لقرار حقيقي في العمل أو المال أو الصحة. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والمسلم يلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب المشروعة. نسأل الله أن يبارك في جهودنا ويرزقنا من فضله.
