من الصور الجميلة أن يرى الحالم الملح مبسوطًا على الأرض أو على الأسطح أبيض ناصعًا كأنه ثلج، فيتلألأ تحت الضوء ويغطي المكان كله بطبقة هادئة. وقد يشبه الثلج في ملمسه وبياضه وفي الإحساس بالبرودة والسكون. وتثير هذه الرؤيا غالبًا مشاعر السكينة والدهشة معًا، لما فيها من التقاء المألوف بالغريب. وكما هو الشأن في كل الرؤى، فهي رمزية احتمالية لا يُستنتج منها غيب ولا يُجزم فيها بمعنى، وما سيرد من تفسير هو من باب التأمل.
الملح رمز للاعتدال والعشرة والحفظ، والثلج رمز في الرؤى للبرودة والسكينة وما يهدّئ الحرارة، وقد يرمز كذلك إلى النقاء والبياض الذي يغطي ما تحته. فاجتماعهما في صورة واحدة قد يدل على حال من الصفاء والهدوء تعمّ حياة الحالم أو جانبًا منها، أو على رغبته في الاستراحة من توتر طويل. وقد يرمز أيضًا إلى معيشة معتدلة ساكنة لا صخب فيها. وهذا المعنى لطيف ما دام لا يُحمَّل أكثر مما يحتمل.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله أهل هذا العلم، أن الثلج في الجملة قد يدل على رزق يأتي بلا مشقة أو على برد ورحمة بحسب حال صاحبه وموضعه، وإن اختلفت الأقوال في ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البياض في الأشياء أقرب إلى الصفاء والسلامة، وأن الملح يتصل بالصحبة والمعيشة. وليس لهذه النقول قوة الحجة، فقد اختلف فيها وفي ثبوتها، وإنما هي مدخل للتأمل وحسن الظن لا أكثر.
وتتغير الدلالة بحسب السياق، فإن كان المشهد جميلًا يبعث على الراحة فهو أقرب إلى الطمأنينة، وإن كان البرد شديدًا والملح يغطي كل شيء حتى يمنع الحركة فقد يرمز إلى جمود أو عزلة أو رتابة. وإن مشى الحالم على هذا البساط الأبيض فقد يرمز إلى تقدمه في طريق هادئ، وإن غاصت قدمه فيه فقد يرمز إلى صعوبة في السير. وإن لمسه فوجده قاسيًا مالحًا بخلاف الثلج الناعم، فقد يوحي بأن الجمال الظاهر يخفي تعبًا يسيرًا.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر الحلم عن رغبتها في جو بيتي هادئ بلا خصام، أو عن راحة تشعر بها بعد أيام متعبة. وإن كان الملح كثيرًا يغطي أرض بيتها فقد يرمز إلى انشغال بالتنظيف والترتيب أو إلى رغبة في أن تنتهي الفوضى. وقد يكون في ذلك أيضًا ذكرى لمشهد رأته في صورة أو فيلم. فليأخذ الأمر في إطار الرمز الهادئ.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى مرحلة صفاء داخلي، أو إلى رغبة في السكينة وسط انشغالات الحياة. وللرجل قد يدل على استراحة من هموم عمل أو التزامات، أو على شعور بالجمود إن غلبت البرودة. ولمن كان في بلاد حارة قد يكون الثلج هو الصورة المتمناة للانتعاش، ولمن كان في بلاد باردة قد يكون صدى لما يراه كل شتاء. وهذا كله يبيّن أثر البيئة على الرؤيا.
ومن التفاصيل التي ترقّق المعنى أن يحدث الحلم في صيف شديد الحر، فيكون أقرب إلى أمنية بالراحة، أو في شتاء فيكون أقرب إلى تأثر بالمشهد المعتاد. وإن ذاب هذا البياض تحت الشمس فقد يعني أن الجمود إلى زوال، وإن بقي ثابتًا فقد يعني ثبات حال معينة. وإن رأى أنه يجمع هذا الملح في أوعية فقد يدل على ادخار وتدبير، وإن رأى غيره يلعب به فقد يدل على بهجة اجتماعية خفيفة.
ويحسن أن نذكر أن الفرق بين الثلج والملح جوهري في الواقع، فأحدهما يذوب بالدفء والآخر يذوب بالماء، ولكل منهما مكانه ودوره. ومن هنا فإن الرؤيا قد تنبه إلى أن الصفاء الظاهر لا يغني عن النظر في طبيعة الأشياء، وأن الجمال لا يعفي من الحاجة إلى التبصر. وفي هذا معنى معتدل لا يدعو إلى تشاؤم ولا إلى إفراط في التفاؤل، بل إلى نظرة متزنة تقدّر الصفاء وتتحقق مما وراءه.
وعمليًّا ونفسيًّا، قد يكون هذا الحلم دعوة إلى منح النفس فترة سكينة، ولو بالخروج إلى مكان هادئ أو بتقليل الضجيج والانشغالات. ويمكن للإنسان أن يعتني ببيته وعلاقاته حتى تبقى صافية، وأن يتجنب الجمود العاطفي الذي يجعل الود باردًا كالثلج. فالاعتدال بين الحرارة والبرودة في المعاملة هو مثل الاعتدال في الملح، لا يزيد فيفسد ولا ينقص فيخلّ، ومن حفظ هذا الاعتدال عاش مطمئنًا.
وفي ختام هذا التعبير، يجب التأكيد على أنه اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون مستندًا لقرار حقيقي في الحياة. والمسلم يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، ويعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليسعَ في أسباب رزقه وصلاح أمره، وليطمئن إلى أن تدبير الله له خير مما يتوقع، وليتوكل عليه حق التوكل.
