جبل من الملح في المنام صورة مهيبة، ترى فيها كتلة هائلة بيضاء تعلو كالتل أو الجبل، تلمع تحت الضوء وقد تكون قابلة للتسلق أو بعيدة المنال. وهي صورة قوية الأثر في النفس لما فيها من ضخامة، فيستيقظ الرائي وهو يتساءل عن معنى هذا الحجم الكبير لشيء بسيط كالملح. والتفسير هنا يتوجه إلى معنى الكثرة والثقل أكثر من توجهه إلى الملح نفسه. وكل ما سنورده استئناس بالرموز وليس إخبارا بالغيب.
الجبل في الرؤيا يرمز عادة إلى الرجل العظيم ذي المنزلة، أو إلى العقبة الكبرى، أو إلى الثبات والقوة والارتفاع. وإذا كان هذا الجبل من الملح فإن في الرمز مزيجا من معنى العظمة ومعنى المشقة والاعتدال في المعيشة. فكأن الرائي أمام أمر ضخم يحتاج إلى مجاهدة، أو أمام رزق وفير لكنه مشوب بمرارة المشقة. وقد يدل أيضا على كثرة الهموم المتراكمة التي تبدو كجبل أمام صاحبها. ويحدد السياق أي هذه المعاني أقرب إلى حال الرائي.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نقل عنه أن الجبل يدل على الرجل الجليل أو السلطان أو الأمر العظيم، وأن الملح يدل على ما به صلاح المعيشة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الصعود إلى الجبل يدل على نيل منزلة بمشقة، وأن النزول منه يدل على ضد ذلك. وفي بعض ما نُقل عن النابلسي أن الملح قد يدل على مشقة يسيرة، فإذا ضُخّمت صورته في جبل تضخمت المشقة في القراءة. وقد تباينت التأويلات وكثر الاختلاف، فلا يُقطع بواحد منها.
ويتغير المعنى بحسب موقف الرائي من الجبل، فإن كان يتسلقه بثبات فهو أقرب إلى عزيمة ماضية ونيل مقصد بعد تعب. وإن كان يقف أمامه حائرا فهو أقرب إلى شعور بضخامة المسؤولية أو المهمة. وإن كان يغرف منه بسهولة فهو أقرب إلى سعة في الرزق، وإن كان يخاف انهياره عليه فهو أقرب إلى قلق من حمل ثقيل. وإن رآه من بعيد جميلا لامعا فهو أخف وأقرب إلى أمل أو هدف يتطلع إليه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل جبل الملح على هدف كبير في دراستها أو مستقبلها يبدو بعيدا، وعلى حاجتها إلى الصبر والتدرج. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن أعباء البيت المتراكمة وعلى شعورها بأن واجباتها كثيرة، وفي الوقت نفسه عن رزق وافر إن صبرت. وللحامل قد يرتبط بالمرحلة الثقيلة التي تعيشها وما يرافقها من مشاعر الارتياب، وفيه إشارة إلى أن المرحلة ستنتهي كما ينتهي تسلق الجبل. وكلها قراءات احتمالية.
وللرجل قد يدل جبل الملح على مسؤولية عظيمة أو مشروع ضخم يتحمل مشقته من أجل أهله، أو على ثروة كبيرة تأتي بعد كد. وللتاجر قد يرمز إلى تجارة واسعة ذات رأس مال ثقيل أو إلى مخزون كبير يحتاج إلى تصريف. وللموظف قد يعبر عن كومة من المهام المتراكمة يتطلع إلى إنجازها. وللطالب قد يرمز إلى منهج ضخم أمامه. ولا يُجزم بشيء من ذلك.
ومن دقائق التفاصيل لون الجبل وبريقه، فإن كان ناصعا مضيئا فهو أقرب إلى الأمل والصفاء، وإن كان معتما مغبرا فهو أقرب إلى ثقل مرهق. ومنها وجود طريق واضح للصعود، فالطريق الواضح يشير إلى أن الأمر مقدور عليه بالتخطيط. ومنها وجود أناس يعملون عليه كالعمال، فهو يرمز إلى مشروع مشترك وجهد جماعي. ومنها ما إذا كان الجبل يذوب بالمطر، فهو يشير إلى أن الثقل الكبير قد يزول بما ينزله الله من رحمة.
ومن الناحية النفسية فإن هذه الرؤيا قد تكون انعكاسا لشعور بأن أمرا ما أصبح أكبر من طاقة صاحبه، فيتحول في المنام إلى جبل من الملح. وفيها درس لطيف، فإن الجبل مهما كبر هو من حبات صغيرة، والمهمة الضخمة تُنجز بخطوات قصيرة منتظمة. فقد يكون الحلم دعوة إلى تقسيم الأمر الكبير إلى أجزاء صغيرة، وإلى عدم الاستسلام لهول الصورة. وهذا المعنى يمنح الرائي قوة من غير ادعاء أنه عرف الغيب.
ويحسن التنبيه إلى أن الإنسان قد يرى هذا الحلم بعد أن يرى صورا عن مناطق الملح في العالم، أو مشاهد وثائقية لجبال بيضاء في الصحارى، فتكون الرؤيا مجرد أثر بصري. وكثيرا ما تختلط الأحلام بما يشاهده الإنسان في يومه من أفلام ومقاطع، فلا يصح أن نعدها دائما رموزا ذات معنى. وإن تذكرنا هذا سلمنا من الوسوسة المفرطة، وجعلنا التفسير مجرد فضول لطيف لا مصدر قلق.
وفي الختام، فإن ما قيل في هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، ولا يصح البناء عليه في أي قرار كبير يتعلق بالمال أو العمل أو غيره. فمن رأى ما أزعجه فليدع الله وليحسن الظن به وليأخذ بالأسباب والتخطيط الهادئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أحكم وأعلم بما يقدره لعباده.
