من الرؤى المقلقة أن يرى النائم أنه يسرق الملح، أو أن غيره يسرقه منه، فيمد يده خلسة إلى بيت أو متجر أو مخزن ويأخذه، أو يكتشف أنه اختفى. وهذه الصورة قد تكون محيّرة، لأن الملح شيء بسيط زهيد، ولكن الأحلام لا تقيس الأشياء بأثمانها وإنما بما ترمز إليه. وكما في كل رؤيا، فإنها رمز لا يُبنى عليه حكم، ولا تدل على أن الحالم ارتكب شيئًا أو أن أحدًا سيسرقه. وسنتناول بعض معانيها المحتملة بتأنٍّ وحذر.
الملح رمز للعشرة والوفاء والاعتدال والحفظ، وسرقته توحي باعتداء على ما يربط الناس من ثقة وحقوق متبادلة، ولو في صورة رمزية. ولذلك فقد يعكس الحلم عند من يسرق شعورًا بالتقصير في حق أحد، أو بأنه أخذ أكثر مما يستحق من عون أو فضل. وعند من يُسرق منه قد يعكس شعورًا بأن أحدًا ينتقص حقه أو يستغل ثقته. ويجب أن يُفهم ذلك على أنه من لغة الضمير والمشاعر، وليس نذيرًا بوقوع السرقة.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتداوله أهل هذا العلم، أن السرقة في المنام قد تدل على أخذ بغير حق أو على قول يُقال في غير موضعه، أو على نقص في حال بحسب ما يُرى، وأن المسروق منه قد يدل على شيء يخسره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأخذ خفية يشير إلى ما يخفيه الإنسان في نفسه، وأن للملح ارتباطًا بالصحبة. وهذه النقول لا تخلو من اختلاف، وكثير منها لا يثبت سنده، فلا تُعد أحكامًا، وإنما إشارات يستأنس بها بحذر شديد.
ويختلف المعنى باختلاف الأدوار، فمن رأى نفسه سارقًا وهو يشعر بالذنب قد يكون حلمه من قبيل محاسبة النفس على تقصير حقيقي أو متخيّل، ومن رآه وهو لا يبالي فقد يعكس تساهلًا في حقوق صغيرة. ومن رأى غيره يسرق منه فقد يعكس قلقًا من خيانة أو استغلال. وإن عرف السارق فقد يعكس شعورًا خاصًّا تجاه ذلك الشخص ليس بالضرورة حقيقيًّا، وينبغي ألا يُبنى عليه اتهام أحد.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر الحلم عن شعورها بأن حقوقها أو جهدها في البيت لا تُقدَّر، وأن أحدًا يأخذ من تعبها دون شكر. وإن رأت نفسها سارقة فقد يعكس إحساسها بالتقصير في حق أهلها، أو توترًا بين رغباتها وواجباتها. وفي كل ذلك دعوة إلى الحوار الهادئ وطلب التقدير بالكلمة الطيبة لا بالاتهام.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن خوف من ضياع فرصة أو من أن يسبقها أحد إلى ما تريد، أو عن ضيق من موقف شعرت فيه بالظلم. وللرجل قد يرتبط بقلق على ماله أو على سمعته في عمله، وإن رأى نفسه سارقًا فقد يعكس شعورًا بتقصير في أمانة ما. وللتاجر قد يرتبط بالحرص على البضاعة، وهذا أقرب إلى انعكاس واقعه المهني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يسرق الحالم من قريب أو من غريب، فإن كان من قريب فقد يتصل بحساسية في العلاقة، وإن كان من غريب فقد يعكس عبئًا عامًّا. وإن أعاد المسروق في الحلم فقد يعكس رغبة في التصحيح والتوبة من تقصير. وإن اكتُشف فقد يعكس خوفًا من الانكشاف. وإن لم يكن للمسروق قيمة يُعتد بها فربما كان في ذلك تعبير عن مخاوف صغيرة تضخمت في الليل، لا عن أمر جسيم.
ولا يخفى أن بعض الأحلام يأتي نتيجة سماع خبر عن سرقة أو قلق على متاع، فيتحول إلى مشاهد غريبة. وكثيرًا ما يكون الشعور بالذنب في الحلم ناتجًا عن حساسية عالية في الضمير، وهي في أصلها صفة محمودة ما دامت لا تتحول إلى وسواس. وعلى الإنسان أن يفرّق بين محاسبة النفس المعتدلة وبين جلدها، فالأولى تُصلح والثانية تُتعب، وأن يطلب الصفح من الله ومن الناس إن كان له في الواقع حق لم يؤده.
ومن الناحية العملية والنفسية، فإن هذا الحلم دعوة هادئة إلى مراجعة الأمانات والحقوق، فإن كان عليه حق لأحد أداه، وإن كان له حق طلبه بلطف. ويمكن للإنسان أن يعتني بحسن إدارة ماله وأغراضه، وأن يتحدث إلى من يثق به إذا أقلقه شعور بالاستغلال. فالعشرة لا تقوم على الأخذ وحده بل على التوازن، والملح الذي يُؤخذ بقدره ينفع، وما أُخذ بغير حق ضرّ صاحبه قبل غيره.
وفي الختام، يجب التأكيد على أن كل ما ذُكر في تعبير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، فلا يُتهم به أحد ولا يُتخذ ذريعة لتصرف أو قرار. ومن أزعجته رؤياه فليلجأ إلى الله بالدعاء وليحسن به الظن، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه الستير الرحيم بعباده. وليسعَ الإنسان إلى الأمانة والإنصاف في يقظته، وليطمئن إلى أن الله لا يضيّع حقًّا ولا يخذل من أحسن التوكل عليه.
