قد يرى الإنسان في منامه أنه ينثر الملح حول الباب أو في زوايا البيت أو على الأرض ليبعد الحشرات الصغيرة، كالنمل والصراصير وغيرها. وهذه الصورة مألوفة جداً في الحياة المنزلية، إذ يستعمل بعض الناس الملح في التنظيف وفي إبعاد الزوار الصغار غير المرغوبين عن البيت. ولذلك فهي في الأغلب انعكاس لما يشغل الذهن من أمور البيت اليومية. والتفسير الذي نذكره هنا رمزي بحت، ونتعامل معها على أنها صورة منزلية عادية لا أكثر، فلا ينبغي أن نربطها بتوقعات خفية.
الملح في المنام يرمز عموماً إلى الحفظ والاعتدال والعشرة، ويرمز كذلك إلى ما يقيم اعوجاج الطعم أو يمنع الفساد. أما الحشرات الصغيرة فهي في موروث المعبرين تشير إلى أمور مزعجة يسيرة، أو أشخاص يسببون إزعاجاً خفيفاً، أو هموم صغيرة تكثر دون أن تكبر. فإذا اجتمع الأمران عبر ذلك عند من يفسر عن رغبة في ضبط البيت والحياة وإبعاد المنغصات الصغيرة. وهذا كله استئناس بالمعاني لا يقين.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه أن الحشرات الصغيرة والهوام تدل على خصوم ضعفاء أو أذى يسير، وأن الملح يحمل على الاعتدال وحفظ الأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى أن مواجهة الأذى الصغير في المنام بما يناسبه قد تدل على قدرة الرائي على التصدي لما يزعجه. ولا يعني ذلك ثبوت شيء، فإن المفسرين اختلفوا في تعبير هذه الرموز، وبعضهم يحمل الحشرات على معان أخرى بحسب نوعها وكثرتها.
وسياق الحلم ينبغي أن يلاحظ، فإن كان الرائي ينثر الملح بهدوء وينجح في إبعاد الحشرات فقد يدل ذلك على شعور بالقدرة على ترتيب أموره. وإن كانت الحشرات تعود مراراً مهما فعل فقد يكون ذلك تعبيراً عن إحساس بأن بعض المنغصات الصغيرة لا تنتهي. وإن كان يضطرب ويخاف فقد يكون الحلم انعكاساً لقلق مبالغ فيه من أمور يسيرة، ويحسن به أن يهدئ نفسه.
أما الفتاة غير المتزوجة فقد يعبر الحلم عندها عن رغبة في إبعاد الأحاديث المزعجة والمواقف المتعبة التي تحيط بها، أو رغبة في تنظيم غرفتها وبيتها. وربما كان الحلم ببساطة من آثار نظافة قامت بها أو حشرة رأتها نهاراً. وليس في ذلك ما يدعو إلى توجس من شخص بعينه أو ظن السوء بأحد.
وللمرأة المتزوجة قد يعبر الحلم عن انشغالها بنظافة البيت وحمايته وحفظ طعام الأسرة، وهو غالباً من صميم الاهتمام اليومي. وللحامل قد يكون صدى لحساسية من الروائح أو انزعاج من الحشرات، وهو من حديث النفس. وللرجل قد يشير إلى رغبة في إصلاح منافذ البيت أو ترتيب أمور يسيرة معلقة، وللتاجر قد يشير إلى ضرورة العناية بمخزن البضاعة وحفظها من التلف.
ومن الدقائق التي تلاحظ أن نوع الحشرات يغير في الدلالة التي يستأنس بها، فالنمل غير الصراصير، وكل منها يرمز عند بعضهم إلى جانب مختلف من الهموم. وإن كان الملح ينثر في خط حول الباب فقد يفسر بمعنى وضع حد للمنغصات، وإن كان ينثر على الطعام فهو أقرب إلى معنى التمليح العادي. ولا نرى في ذلك إلا صورة منزلية عادية، لا يتوقع منها أثر خارج الخيال.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم قد يذكر الإنسان بأن كثيراً من المنغصات تعالج بعمل بسيط منظم ونظافة وترتيب، لا بالقلق ولا بالأوهام. وهو دعوة لأن يعتني بمكان عيشه ويتخذ الأسباب المشروعة لحفظه من الأذى، كإغلاق الشقوق وحفظ الطعام في أوعية محكمة. وليس في الأمر ما يتعدى الأسباب العادية، فلا يعتقد الإنسان أن للملح قوة غيبية أو أن حلماً كهذا ينبئ بشيء خفي. وليبق عقله هادئاً وعمله منظماً.
ولا يحسن أن يتسع القلق بالإنسان حيال هذه الأحلام، ولا أن يتتبع الإشارات خلف كل صورة منزلية. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليستعذ بالله ويمضِ في شأنه مطمئناً. وليجعل من النظافة والترتيب عادة طيبة تحفظ بيته وراحته.
ومن المفيد أن يفرق الإنسان بين الحلم الذي يعكس نشاطاً منزلياً حقيقياً والحلم الذي يتكرر بلا سبب ظاهر، فالأول لا يحتاج إلى تأويل أصلاً لأن أصله واضح من واقع اليوم. أما الثاني فقد يكون دليلاً على أن في الذهن مشغلة صغيرة لم تحسم، كمهمة مؤجلة أو أمر ينتظر قراراً بسيطاً. وحين يعالج الإنسان تلك المشغلة بما يناسبها من عمل هادئ، فإن الحلم غالباً يخف أو يختفي من تلقاء نفسه. وهذا مما يجعل الفهم النفسي أقرب وأنفع من تتبع الرموز الغامضة، ويعيد التركيز إلى ما يمكن فعله فعلاً في اليقظة.
وخلاصة القول أن ما ذكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا ينبغي أن يبنى عليه قرار حقيقي في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والمسلم يلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله ويأخذ بالأسباب المشروعة في شؤونه. فنسأل الله السلامة والسكينة لكل بيت.
