قد يرى الإنسان في منامه ملحاً لكنه يجد طعمه غريباً على غير المعتاد، كأن يكون له مذاق لاذع أو حامض أو لا طعم له أو طعم يصعب وصفه، فيستيقظ متعجباً من هذا الاختلاف. وهذه من الأحلام التي تتكرر عندما يكون في الذهن شيء مألوف تغيرت صورته أو أمر يبدو عادياً لكنه يخفي شيئاً غير معهود. وقد تنتج كذلك عن تغير في الطعم أو دواء أو مرض بسيط. والتفسير فيها رمزي لا جزم فيه، يستأنس به الإنسان للتأمل فقط.
الملح في موروث التعبير يرمز إلى المألوف المعتدل في الطعام والصحبة والعشرة، فإذا تغير طعمه في الحلم فقد يشير ذلك عند من يتأمل إلى أمر مألوف طرأ عليه تغير، كعلاقة قديمة تغيرت نبرتها، أو عمل اعتاده الرائي ظهر فيه جديد، أو عادة لم تعد كما كانت. وقد يعبر كذلك عن شعور بالغرابة تجاه شيء كان مطمئناً إليه. وهي معان نفسية عامة يستأنس بها ولا يقطع بها.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يروى عنه أن الطعوم في المنام تختلف دلالتها فالحلو يدل على خير وفرح، والمر على هم ومشقة، والحامض على أمر بين بين، وذهب النابلسي في بعض ما نقل عنه إلى نحو ذلك مع اعتبار حال الرائي. وأما الطعم الغريب الذي لا يعرف فلا نص مشهور فيه، وإنما يجتهد فيه المفسرون بالقياس والنظر في الحال. ولذلك فهو أولى بالتحفظ، ولا ينبغي أن يقطع فيه بشيء.
ويتغير المعنى بحسب شعور الرائي نحو الطعم، فإن كان الغريب مقبولاً أو حتى لذيذاً فقد يعبر عن انفتاح على تجربة جديدة أو تغير إيجابي. وإن كان منفراً فقد يعبر عن توجس من أمر جديد أو تغير لا يرتاح إليه. وإن كان لا طعم له فقد يعبر عن فتور أو ملل في أمر ما. وإن كان الرائي يحاول أن يتبين الطعم دون جدوى فقد يعبر عن حيرة لم يجد لها جواباً بعد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن مرحلة تغير في حياتها، كانتقال دراسة أو عمل أو بيئة، وما يصاحبها من شعور بالغرابة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن تغير في روتين البيت أو في العلاقات يحتاج إلى وقت للاعتياد، وللحامل قد يرتبط بتغير حاسة التذوق المعروف في الحمل، فهو في الغالب من آثار الجسد، وعليها مراجعة طبيبها إن وجدت ما يقلقها.
وللرجل قد يشير الحلم إلى تغير في عمل أو علاقة أو ظرف مألوف لم يعتد عليه بعد، أو إلى تردد أمام قرار. وللتاجر قد يشير إلى تغير في السوق أو في جودة بضاعة أو في سلوك متعاملين، فيحسن به التحقق والمراجعة بالأسباب الواقعية. وليس في الحلم ما يدل على سبب بعينه، وإنما هو دعوة عامة إلى الانتباه والتأني في الحكم على الأمور.
ومن الدقائق التي يستأنس بها بعضهم أن الطعم الغريب إذا اقترن بلون غير معتاد في الملح، كأن يكون وردياً أو رمادياً، فقد يخطر معنى الشيء الذي يبدو مألوفاً وليس كذلك. وإن كان الرائي يرمي الملح الغريب بعيداً فقد يعبر عن حذر وتأنٍّ، وإن كان يستمر في تذوقه فقد يعبر عن فضول. وكل ذلك احتمالات خفيفة لا يبنى عليها أمر.
ومن الناحية النفسية والعملية فإن الحلم قد يعكس تعامل الإنسان مع التغيير، فبعض الناس يتقبله بسهولة وبعضهم يحتاج إلى وقت. وهو دعوة لأن يتأمل: ما الذي تغير في حياتي مؤخراً وأشعر تجاهه بالغرابة؟ وهل أحتاج إلى التكيف أو إلى مراجعة موقفي؟ وبهذه الأسئلة الهادئة يستفيد من الحلم دون الحاجة إلى تأويلات بعيدة. وإن كانت الغرابة في الطعم حقيقية في اليقظة ومستمرة فاستشارة الطبيب من الحكمة.
ويحسن أن يتذكر الإنسان أن الغرابة ليست بالضرورة سيئة، فكثير من الخير جاء في صورة غير مألوفة، وكثير من المألوف كان فيه ما يحتاج إلى مراجعة. والحكمة في ألا يستعجل الإنسان حكمه على ما يجد، بل يتأنى ويستشير ويتوكل على الله. وهذا الموقف المتزن يمنحه ثباتاً في مواجهة المتغيرات ويحميه من القلق المفرط.
ومن الأمور التي تعين على فهم هذا الحلم أن يسأل الإنسان نفسه عن أحوال نومه وطعامه في يومه، فقد يكون وراء الطعم الغريب عشاء ثقيل أو دواء أو إرهاق أو جفاف في الفم. وإذا وجد سبباً بسيطاً كهذا فلا حاجة إلى البحث عن معنى أبعد. أما إذا كان الحلم يتكرر مع شعور غريب في الطعم أثناء اليقظة أيضاً فالأفضل أن يعرض أمره على طبيب مختص. وهكذا تتكامل الأسباب الطبيعية مع التأملات الرمزية دون أن يحل أحدهما محل الآخر.
وخلاصة القول أن هذا اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ أساساً لقرار حقيقي في الحياة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمسلم يلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب المشروعة. نسأل الله أن يثبت قلوبنا ويهدينا في كل أمر.
