قد يرى الإنسان في منامه غنمًا تمشي في صحراء واسعة، وهو مشهد يجمع بين وداعة الغنم وقسوة المكان واتساعه. وهذا التناقض الظاهر هو ما يمنح الرؤيا طابعها الخاص ويجعل تأويلها متعدد الاحتمالات. والرؤيا في أصلها رمزية وليست نقلًا حرفيًا لما سيحدث، فلا ينبغي أن تُحمل على الخوف أو التعجل. وما يلي قراءة محتملة تتفاوت من رائٍ إلى آخر بحسب حاله وما يعيشه.
الصحراء في رموز الأحلام ترتبط عادةً بالامتداد والتجربة وقلة الموارد والصبر وطول الطريق. والغنم ترتبط بالرزق والبركة والوداعة وحاجتها إلى الرعاية. فاجتماعهما قد يدل على رزق يحتاج إلى سعي وتحمل، أو على مرحلة يشعر فيها الإنسان بالمسؤولية في ظروف غير مريحة. وقد يعبّر كذلك عن رغبة في الهدوء والابتعاد عن الزحام، فالصحراء قد تكون رمزًا للخلوة وصفاء التفكير بقدر ما تكون رمزًا للشدة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصحراء قد تدل على سفر أو مشقة أو حال فيها قلة، وأن الغنم تدل على الرزق، فيكون الجمع بينهما إشارة إلى رزق فيه تعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأرض القفر قد تدل على قلة النفع أو الوحدة بحسب حال الرائي، وأن وجود ما ينفع فيها يخفف ذلك. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور، والرمز بهذه الهيئة أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيُؤخذ كل ما سبق بتحفظ وتأنٍّ.
ويتأثر المعنى بحال الغنم في الصحراء. فإن كانت تسير بنشاط وتجد ما تأكله، فهذا أقرب إلى القدرة على التكيف وتيسير الأمور بعد جهد. وإن كانت عطشى هزيلة، فقد يعبّر ذلك عن إحساس بالإرهاق أو الحاجة إلى دعم ومورد. وإن ظهرت واحة أو ماء أو ظل، فذلك قد يشير إلى فرج قريب أو فرصة مريحة بعد عناء. أما الغبار والرياح فقد تعكس ضبابية في الرؤية وحاجة إلى التأني قبل اتخاذ قرار.
وإذا رأت العزباء غنمًا في الصحراء، فقد يُفهم ذلك على أنه إشارة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى الصبر في دراسة أو عمل أو انتظار أمر تتمناه. وإن رأت نفسها مطمئنة وسط القطيع فقد يدل ذلك على قوة داخلية وقدرة على تحمل التقلبات. وإن شعرت بالضياع فقد يعبّر المنام عن حاجتها إلى توجيه أو إلى استشارة أهل الرأي من أقاربها. ولا يصح أن تُتخذ قراراتها المصيرية بناءً على المنام وحده.
وأما المتزوجة فقد يعكس المشهد حملها لمسؤوليات البيت في ظروف قد تكون مرهقة، أو شعورها ببعد عن أنس كانت تتمناه. وإن كان زوجها قريبًا من الغنم في المنام فقد يُفهم ذلك على أنه تعاون في تجاوز مرحلة صعبة. وإن كانت حاملًا فقد يكون المنام صدى لمشاعر القلق والانتظار الطبيعية، وليس إخبارًا بشيء عن الحمل. والمرجع في ذلك كله إلى الأطباء والمتخصصين لا إلى الأحلام.
وللرجل قد يدل المنام في بعض التعبيرات على رزق يحتاج إلى سفر أو جهد زائد، أو على عمل في بيئة قليلة الموارد يُرجى منها خير بعد حين. وإن كان تاجرًا فقد يُقرأ المنام على أنه إشارة إلى ضرورة الاقتصاد في النفقات وحسن التقدير. وإن كان يقود الغنم بثبات فقد يعبّر ذلك عن قدرة على القيادة في الظروف الصعبة. أما إن رآها ضالة فقد يشير إلى حاجته إلى مراجعة خطته.
ومن التفاصيل المهمة وقت اليوم وحرارة المكان وحال الطريق. فالصحراء عند الفجر أو الغروب أقرب إلى الهدوء والتأمل، وعند شدة الحر أقرب إلى الإنهاك والحاجة إلى راحة. وعدد الغنم له أثر، فالقليل منها يدل على رزق محدود يُرجى نماؤه، والكثير قد يدل على مسؤولية كبيرة. ولون الرمال والسماء كذلك، فإذا كانت السماء صافية كان المعنى أقرب إلى الصفاء والوضوح، وإذا كانت ملبدة فهو أقرب إلى التردد.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون المنام انعكاسًا لإحساس الإنسان بأنه يخوض مرحلة طويلة قليلة الموارد، أو بأنه يرعى أمرًا يحتاج إلى جهد مستمر. وقد يظهر بعد فترة ضغط أو سفر أو انتظار. وفي هذه الحال ينفع تنظيم الجهد وتوزيع الأحمال وطلب العون ممن حوله، فالإنسان لا يعبر الطريق الطويل وحده. وإن شمل المنام شيئًا عن الجسد أو التعب فليس هو نصيحة طبية، وإنما يُرجع في ذلك إلى الطبيب.
وفي الختام، فإن ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يتحول إلى يقين يقيد الرائي أو يخيفه. فليحسن الإنسان ظنه بربه، وليدعُ الله أن ييسر له أمره ويرزقه من فضله. وليتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأن العمل والصبر وحسن الأخذ بأسباب الخير هي الأنفع بعد كل رؤيا.
