رؤية الغنم وهي تبتعد عن الرائي مشهد يوحي بالفراق والمسافة، وقد يثير في النفس شيئًا من الحسرة أو الحيرة أو حتى الراحة بحسب ما يحس به الرائي. ومع ذلك فالرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على خسارة بعينها ولا على حدث محدد. وتختلف دلالتها بحسب هيئة الغنم وشعور الرائي. وما يلي قراءات محتملة لا يُراد بها الجزم، بل التأمل والاستئناس.
الابتعاد في رموز الأحلام يرتبط بالمسافة والفراق وفوات الفرصة أو التخفف من أمر، والغنم ترتبط بالرزق والبركة والوداعة وحاجتها إلى الرعاية. فاجتماعهما قد يدل على فرصة تبدو بعيدة وتحتاج إلى مبادرة، أو على مرحلة يتخفف فيها الرائي من مسؤولية، أو على إحساس بأن شيئًا مألوفًا يغادر حياته. وقد يعبّر المنام عن حاجة إلى الاقتراب من أمر أُهمل، أو عن رغبة في المسافة من أمر مرهق.
نُسب إلى ابن سيرين أن ابتعاد الأنعام في المنام قد يدل على فوات نفع أو انصراف رزق عن صاحبه إن كان ذلك عن غفلة، وقد يكون سببه تغير الأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يغيب عن الرائي من أنعامه يُنظر فيه بحسب شعوره وحاله. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الأمور، والصورة المحددة هنا، غنم تبتعد عن الرائي، أقل تفصيلًا في الكتب القديمة. فتُؤخذ النقول بحذر على سبيل الاستئناس، ولا يُجزم بخسارة.
ويتغير المعنى بحسب هيئة الابتعاد. فإن كانت الغنم تبتعد بهدوء وهي تسير في طريق واضح، فقد يدل على انتقال أمر من حال إلى حال دون ضرر. وإن كانت تهرب مذعورة، فقد يعبّر عن توتر في أمر يحتاج إلى معالجة بلطف. وإن كان الرائي يلحق بها فقد يدل على سعي لاسترجاع فرصة، وإن كان يقف مكانه فقد يدل على تردد. وإن شعر بالراحة وهي تبتعد فقد يعبّر عن رغبة في التخفف من عبء. وكل ذلك يرتبط بما يحس به الرائي في لحظة المشهد.
وإذا رأت العزباء غنمًا تبتعد عنها، فقد يُفهم ذلك على أنه إشارة إلى فرصة تحتاج إلى مبادرة، أو إلى مرحلة تنتهي فيها علاقة أو دراسة أو عمل لتبدأ مرحلة أخرى. وإن كانت تلحق بها فهو أقرب إلى الحرص والسعي، وإن بقيت ساكنة فقد يعكس ذلك تقبلًا. ولا ينبغي أن يُبنى على المنام قرار أو شعور بالخسارة، وإنما يُؤخذ كتنبيه إلى حسن الانتباه للفرص والتخطيط لها.
وأما المتزوجة فقد يعبّر المنام عن مسؤوليات تخف عنها أو أولاد يكبرون ويستقلون، أو عن إحساس بالمسافة في أمر من أمور بيتها. وإن كانت الغنم تبتعد بسلام فقد يُفهم ذلك على أنه انتقال طبيعي. وإن كانت تلحق بها فقد يدل على حرصها على من تحب. وإن كانت حاملًا فقد يكون المنام صدى لمشاعر قلق أو شوق. وليس المنام إخبارًا عن حالة الحمل ولا نصيحة طبية، ويُرجع إلى الطبيب في ذلك.
وللرجل قد يدل المنام على فرصة عمل أو تجارة تحتاج إلى مبادرة، أو على مشروع يمضي إلى مرحلة أخرى، أو على أمر يخرج من يده بحكم تغير الظروف. وإن كان يلحق بالغنم فقد يعبّر عن سعي ومثابرة، وإن كان يتركها فقد يدل على تخلٍّ عن أمر لم يعد ينفع. ومن المفيد أن يراجع خططه وعلاقاته ويحدد ما يستحق الجهد، وأن يستشير أهل الخبرة قبل أن يقرر.
ومن التفاصيل التي تُلاحظ سرعة الابتعاد واتجاهه وحال الغنم وما يحيط بها من مكان وضوء. فالابتعاد البطيء قد يدل على أمر يمكن تداركه، والسريع على أمر يحتاج إلى مبادرة عاجلة. والاتجاه نحو مكان أخضر قد يدل على انتقال إلى حال أفضل، ونحو مكان جاف قد يدل على حاجة إلى حذر. وإن كان معها راعٍ فقد يدل على أمر في رعاية من يعتني به، وإن كانت وحدها فقد يدل على حاجة إلى إشراف. ولا يُبنى حكم على تفصيل واحد منها.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعكس المنام خوفًا من فوات فرصة أو من فراق أمر محبوب، أو رغبة في التخفف من أمر مرهق. وربما سبقه نهاية مرحلة أو سفر أحد المقربين أو تأخر في إنجاز مهمة. وينفع الرائي أن يحدد ما يستحق السعي وراءه وما يمكن تركه، وأن يتعامل مع الفراق بتقبل وهدوء. وإن تعلق المنام بحزن أو أرق فليس هو نصيحة طبية، ويُرجع إلى الطبيب المختص عند الحاجة.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس فيه ما يوجب حسرة ولا يقينًا بخسارة. فليحسن الرائي ظنه بالله، وليدعه أن يعوضه خيرًا مما يفوته ويبارك له فيما بقي بين يديه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرضا مع حسن السعي من أنفع ما يلزمه الإنسان بعد كل رؤيا.
