رؤية الخروف يطارد الرائي في المنام مشهد غير مألوف، قد يبعث على الدهشة أو الحيرة أكثر مما يبعث على الخوف. والأحلام رموز تتشكل بحال الرائي وما يشغله من أفكار ومشاعر، ولا تُقرأ على ظاهرها كأنها خبر مؤكد. لذلك فإن ما يُذكر هنا قراءة محتملة للتأمل والاستئناس، لا نتيجة قاطعة تُبنى عليها القرارات. وكثيرًا ما تكون الصور الغريبة في الأحلام تعبيرًا عن شيء بسيط في النفس.
الخروف والغنم من الرموز المرتبطة بالرزق والبركة والوداعة والرعاية والقطيع، وهو حيوان مسالم عادة لا يُتوقع منه أن يلاحق أحدًا. ولذلك فإن مطاردته للرائي قد تُقرأ على أنها رمز لأمر لطيف ملحّ يطلب الانتباه، كرزق يسعى إليه أو مسؤولية تتعلق به أو علاقة تتشبث به. وقد يعبر المشهد عن شعور بأن الخير يلاحق الرائي ولكنه يهرب منه خوفًا أو انشغالًا. ويبقى المعنى مرتبطًا بمشاعر الرائي في الحلم أكثر من شكل المشهد.
وفي النقل عن التراث، نُسب إلى ابن سيرين أن الأنعام الأليفة التي تتبع الإنسان قد تدل على مال أو أهل أو أتباع يلتفون حوله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ملازمة الحيوان الأليف للإنسان قد تشير إلى ارتباط بأمر معين. وتختلف الآراء بين الكتب في هذه الدلالات، كما أن مطاردة الخروف تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. فلا يُجزم بمعنى واحد، ويُنظر إلى السياق والقرائن. ولا يخفى أن اختلاف الرائين يستدعي اختلاف الدلالة وإن اتفقت الصورة.
ويتضح أثر السياق في حال الخروف وسلوكه. فإن كان يركض بمرح وهدوء، فقد يوحي ذلك بخير يسعى إلى الرائي أو بمسؤولية لطيفة تنتظر رعايته. وإن كان يبدو غاضبًا أو عدوانيًا، فقد يشير إلى توتر أو ضغط لم يُعبّر عنه. وإن توقف الرائي والتفت إليه فهدأ، فقد يدل ذلك على أن مواجهة الأمور تجلب الطمأنينة. وشعور الرائي بالخوف أو الضحك أو الاستغراب يوضح أي المعنيين أقرب.
وللفتاة العزباء، قد يعبر الحلم عن شعور بأن أمرًا ما يلاحقها، كفرصة تتردد في قبولها أو التزام تؤجله. وقد يشير إلى شخص يظهر في محيطها بإلحاح، فيحسن بها أن تتأنى وتتعرف على حقيقة الأمور. ولا ينبغي أن تتخذ الحلم سببًا لقبول أمر أو رفضه. والأنسب أن تستشير أهل الثقة وتأخذ بالأسباب. ويكفيها من الحلم أن يدفعها إلى مراجعة ما تؤجله بهدوء.
وفي حق المرأة المتزوجة، قد ترتبط المطاردة بمسؤوليات متلاحقة في البيت ورعاية الأولاد، وشعور بأن الطلبات لا تنتهي. وقد يكون الحلم انعكاسًا لحاجتها إلى وقت لنفسها ولمن يعينها. وإن شعرت بالطمأنينة أثناءه فقد يحمل معنى خير يسعى إليها بإذن الله. ويبقى هذا احتمالًا يتأثر بحياتها وظروفها. ومن الحسن أن تنظر إلى الجانب المطمئن من الصورة وتجعله مصدر تفاؤل.
وللرجل، قد يشير الخروف الذي يطارده إلى رزق أو فرصة عمل تلاحقه ولا يغتنمها، أو إلى مسؤولية قريبة منه يحاول تجاهلها. وقد يعكس كذلك كثرة الطلبات التي تقع على عاتقه من أهله وعمله. ومن المفيد أن ينظر في ما يؤجله وأن يرتب أولوياته بهدوء. فالأمر غالبًا أخف مما يبدو في الحلم، وتنظيمه يريح النفس. وإن كان لديه ما يقصر فيه فالمبادرة إلى إصلاحه خير من الانشغال بالتأويل.
ومن التفاصيل الدقيقة: عدد الخرفان، ولونها، وسرعتها، وصوتها، وهل كانت تنادي أم تركض بصمت، وإلى أين اتجه الرائي. فالخروف الواحد المصرّ على اللحاق قد يخصص الدلالة بأمر معين، وقطيع كامل قد يشير إلى مطالب متعددة أو جماعة ترتبط به. وإن كان صوته عاليًا فقد يعبّر عن طلب حاجة أو اهتمام. وإن كان صامتًا فقد يرتبط الأمر بأمر خفي لم يُعبّر عنه. وهذه قرائن تُقرأ بحذر.
ومن الزاوية النفسية والعملية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن أمر لطيف يشغل الذهن ولا يجد وقتًا للانتباه إليه، أو عن إحساس بالتقصير تجاه رعاية أحد. وقد يدعو الرائي إلى أن يخصص وقتًا لما يحتاج عنايته من أهل أو عمل أو صحة. ومن المفيد أن يكتب ما يشغله ويحدد ما يمكن فعله فعلًا. وإن شعر بإرهاق فالراحة والتحدث مع شخص قريب يخففان عنه كثيرًا. ويحسن أن يجعل من الحلم فرصة لمراجعة جدوله اليومي وأولوياته.
وفي الختام، تفسير الخروف الذي يطارد اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليه قطع بأمر. فليحسن الرائي ظنه بالله، وليدعه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه الطمأنينة وحسن التدبير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما سواه ظنون وتقديرات. نسأل الله لكم الستر والبركة وراحة البال.
