رؤية دخان يخرج من الماء في المنام مشهد يجمع شيئين متقابلين، فالماء في المعتاد يطفئ ما يخرج منه الدخان، فإذا ظهر الدخان من الماء بدا الأمر غريبًا يستدعي التأمل. وهذه الرؤيا رمزية في أصلها، ولا تدل على حريق ولا على خطر قريب ولا على ضرر في مكان ما. وهي كذلك ليست نصيحة طبية أو أمنية، فلا تغني عن الانتباه إلى السلامة في اليقظة. وإذا شم أحد رائحة دخان أو حريق حقيقية فعليه أن يتحقق من السلامة فورًا ويتصل بالطوارئ دون تأخير. وما يلي محاولة هادئة لفهم الرمز دون جزم.
الدخان في الرؤى يرمز عمومًا إلى الغموض والالتباس وما يحجب الرؤية، وإلى التوتر والضيق والقلق، وقد يشير في بعض التفسيرات إلى قرب انجلاء ما خفي دون قطع. والماء يرمز إلى الصفاء والتهدئة والجريان وإلى المشاعر العميقة التي تكون أحيانًا ساكنة على السطح متحركة في العمق. فإذا خرج الدخان من الماء فكأن توترًا أو التباسًا يتصاعد من موضع كان يُظن أنه هادئ. وقد يعبر ذلك عن مشاعر لم تُعالج رغم الهدوء الظاهري أو عن تحول في الإحساس من حال إلى حال. وهو معنى رمزي يصف حال النفس لا حال الماء.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الماء أنه يتنوع بحسب صفائه وكدره وجريانه وسكونه وحال صاحبه، وتتفاوت الصياغات في كتب التعبير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اجتماع ما يتضاد في المنام قد يشير إلى أمر ملتبس لا يستقيم على وجه واحد، ويتفاوت المعبرون في تقدير ذلك. وتختلف الآراء في هذا الباب اختلافًا واسعًا، ولا يتفقون على قول واحد. ولذلك يحسن أن تُعد هذه الأقوال اجتهادات للتأمل. ويبقى حال الرائي هو المرجع الأقرب.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كان الماء بحيرة أو بحرًا هادئًا يعلوه دخان خفيف، مال التفسير إلى مشاعر عميقة تحت سطح هادئ. وإذا كان الماء في إناء أو كأس، فقد يعبر عن أمر صغير محدود يشغل الرائي أكثر مما يستحق. وإذا كان الماء ساخنًا يتصاعد منه البخار، فقد يدل على توتر يمكن تخفيفه بالتبريد والتهدئة. وإذا كان الماء جاريًا فقد يدل على أن الأمر يتحرك ولا يستقر.
بالنسبة إلى الرائية العزباء، قد يرمز المشهد إلى مشاعر مكتومة لم تعبر عنها رغم ظهورها بمظهر الهدوء. وإذا كانت متزوجة، فقد يعبر عن توتر خفي لم يُصرَّح به في أجواء البيت أو عن جهد في إخفاء التعب. وللأم قد يرمز إلى إرهاق تكتمه حرصًا على أسرتها. وهذه احتمالات للتأمل لا أكثر. وتبقى قراءة الرائية لأحوالها هي الأصدق.
أما الرائي الرجل، فقد يدل المشهد عنده على انشغال مكتوم في ظاهر هادئ، أو على مسألة لم يفصح عنها لأحد. وللطالب قد يعبر عن قلق كامن رغم مظهر الثقة. وللموظف قد يرمز إلى توتر خفي في بيئة العمل. وللتاجر قد يعكس قلقًا من أمر مالي لم يُعلن. وتبقى هذه التأويلات عن حال الرائي.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فالدخان الذي يتصاعد من وسط الماء يوحي بأمر في العمق، والذي يتصاعد من الحافة يوحي بأمر قريب من السطح. وإذا كان الماء صافيًا فقد يدل على أن الأمر واضح لا يحتاج إلا إلى مواجهة، وإذا كان كدرًا فقد يدل على التباس مضاعف. وإذا كان الرائي يغمس يده في الماء فقد يعبر عن رغبته في تهدئة الأمر بنفسه. وإذا هدأ الدخان بعد ذلك فقد يوحي بانفراج نسبي.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن مشاعر لم تُعالج بعد رغم هدوء الظاهر. ويفيد أن يسمي الرائي ما يشعر به بصدق وأن يعبر عنه كتابة أو كلامًا مع من يثق به. فالمشاعر التي تُسمى تخف حدتها غالبًا. كما يفيد أن يهتم بنومه وبحركته اليومية وبما يهدئ نفسه. وإذا استمر التوتر الخفي وأثر في حياته فمراجعة مختص مناسبة.
ومما يُنبه إليه أن خروج الدخان من الماء في الحلم لا يعني حدثًا في بحر أو نهر أو مسبح، ولا يتصل بسلامة السفر أو النزهة. فهو صورة ذهنية مركبة من عناصر متضادة. والذهن في الحلم لا يلتزم بقوانين الواقع، فيجمع ما لا يجتمع. وإذا كان للرائي سفر أو رحلة مائية فالأخذ بالأسباب واتباع إرشادات السلامة هو المطلوب. وبهذا يبقى الحلم في حدوده الرمزية.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا خوف ولا جزم. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالسكينة وأن يحسن الظن به. ثم يمضي في يومه بقلب هادئ.
