الخوف من الدخان في المنام من أكثر المشاهد التي تترك أثرًا في النفس عند الاستيقاظ، لأن الشعور فيها أقوى من الصورة نفسها. وأول ما يُذكَّر به أن هذه الرؤيا رمزية، ولا تدل على حريق ولا على حادث ولا على شيء مما يُخشى. فالخوف في الحلم يعبر في الغالب عن قلق داخلي لا عن خطر خارجي حقيقي. ولذلك لا ينبغي أن يزيد ذلك الشعور بعد الاستيقاظ. والأفضل أن تُقرأ الرؤيا بهدوء وبرفق مع النفس.
الدخان في لغة الرموز يحجب الرؤية ويجعل الأمور غير واضحة المعالم. فهو يرتبط بالغموض والالتباس، وبالتوتر والضيق حين تتزاحم الأفكار. وحين يقترن بالخوف قد يكون صورة لقلق من أمر مجهول لم تتضح نتيجته. ومن جهة أخرى هو سريع التبدد، فيُفهم عند بعضهم على أنه إشارة إلى قرب انجلاء ما خفي، دون جزم بذلك. ولذلك يتأرجح المعنى بين القلق والانفراج بحسب سياق الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الدخان قد يدل على كلام مضطرب بين الناس، أو على همّ يكدّر الصفو حينًا ثم يزول. وفي بعض ما نُسب إليه أن الدخان الخفيف أهون دلالة من الكثيف الذي يغشى المكان. وهذه الأقوال لم تصل بصيغة قاطعة، وتتفاوت رواياتها بين كتب التفسير. فهي تُذكر على سبيل الاستئناس لا الجزم. وللرائي أن يأخذ منها ما يطمئنه ويدع ما سواه.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدخان يشير إلى أمر مشوش ظاهره أشد من باطنه. وجاء في مواضع أخرى ما يربطه بأخبار لم تكتمل أو بمسألة تحتاج إلى وقت كي تتضح. ويختلف المفسرون في ترجيح معنى الهم أو معنى الخبر الناقص، ولذلك لا يُكتفى بقول واحد. وهذا الاختلاف يدل على مرونة الرمز. فالأفضل أن يُؤخذ التفسير كاحتمال عام لا أكثر. وكلما خفّ تعلق الرائي بالتفاصيل المخيفة ازدادت قدرته على رؤية المعنى الهادئ خلفها.
يتبدل معنى الخوف من الدخان بحسب موضعه في الحلم وما حوله. فالخوف منه في البيت قد يرتبط بقلق يخص الأسرة والمسؤوليات، وفي العمل قد يرتبط بضغط المهام، وفي مكان مجهول قد يرتبط بمواجهة أمر جديد لم يألفه الرائي. وهل هرب الرائي أم وقف أم حاول إبعاد الدخان، فكل ذلك يعطي انطباعًا عن طريقته في مواجهة قلقه. ويؤثر لون الدخان ومدة بقائه. وكل ذلك قرائن للاستئناس لا للقطع.
وقد يُقرأ هذا الحلم بوصفه انعكاسًا للخوف من المجهول، أي من أمر يغيب وضوحه فتميل النفس إلى تخيل أسوأ ما فيه. ويرى بعضهم أن الخوف داخل الحلم قد يكون أعلى من الأمر الذي يمثله في الواقع، فالمنام يضخم المشاعر. وفي هذا ما يدعو إلى طمأنة النفس وتذكيرها بأن الصورة رمزية. وليس في هذا الخوف دلالة على سوء مقبل. بل هو في الغالب علامة على إجهاد يحتاج إلى راحة.
وإذا رأى الرائي الدخان يتلاشى بعد الخوف، فقد يُقرأ ذلك على أنه زوال قلق كان يظنه أكبر من حقيقته. وإذا رآه يلاحقه في الحلم، فقد يعبر عن فكرة تلازمه وتحتاج إلى مواجهة هادئة. وإذا خرج من المكان إلى هواء مفتوح فشعر بالراحة، فقد يوحي ذلك بقدرته على تجاوز ما يخيفه. ولا يعني شيء من هذا حدثًا بعينه. وإنما هي احتمالات تتصل بإحساسه الداخلي.
ومن التفاصيل الدقيقة لون الدخان ورائحته وهل رافقه صوت أو ضيق في الصدر داخل الحلم. فالأبيض الخفيف أقرب إلى الغموض العابر، والرمادي إلى التردد، والداكن إلى ضيق أشد في النفس. وإن كان معه شخص يطمئنه، فقد يرتبط ذلك بحاجته إلى سند. وإن كان وحده، فقد يرتبط بقلق يحمله بصمت. وتبقى هذه كلها قراءات ظنية. والأهم من كل ذلك أن يعود الرائي إلى طمأنينته ويترك للأيام أن تكشف ما يلزم كشفه.
والحلم ليس نصيحة طبية أو أمنية، فإن وُجد ضيق تنفس حقيقي أو سعال مستمر فالأمر يستدعي مراجعة الطبيب. وإن شُمّت رائحة دخان حقيقية في المكان فالأفضل التحقق من السلامة فورًا والاتصال بالطوارئ. ومن الناحية النفسية يفيد التنفس البطيء قبل النوم، وتقليل المنبهات في المساء، والكلام عمّا يقلق مع شخص موثوق. وإذا استمر القلق الشديد أو تكرر الخوف فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وخلاصة هذه القراءة أنها اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم قد يكون من خواطر النفس وانشغالاتها. ويُدعى الله أن يرزق كل رائٍ أمنًا وسكينة في قلبه. وحسن الظن بالله يخفف وطأة المجهول ويعين على الطمأنينة. فإذا انقشع الدخان في المنام فليكن ذلك مبعث راحة وأمل.
