رؤية دخان يشكل صورة في المنام مشهد يلفت الانتباه، لأن الدخان في الأصل بلا شكل ثابت، فإذا ظهرت فيه صورة بدا الأمر كأن الغموض يحاول أن يقول شيئًا. وهذه الرؤيا رمزية في أصلها، ولا تدل على حريق ولا على خطر قريب ولا على رسالة من خارج الرائي. وهي كذلك ليست نصيحة طبية أو أمنية، فلا تغني عن الانتباه إلى السلامة في اليقظة. وإذا شم أحد رائحة دخان أو حريق حقيقية فعليه أن يتحقق من السلامة فورًا ويتصل بالطوارئ دون تأخير. وما يلي محاولة لفهم الرمز بوصفه صورًا ذهنية وتوقعات يحملها الرائي.
الدخان في الرؤى يرمز عمومًا إلى الغموض والالتباس وما يحجب الرؤية، وإلى التوتر والضيق والقلق، وقد يشير في بعض التفسيرات إلى قرب انجلاء ما خفي دون قطع. والذهن البشري مولع برؤية الأشكال في كل ما لا شكل له، كما يرى الإنسان وجوهًا وحيوانات في الغيوم وبقع الجدران. فإذا ظهرت صورة في الدخان فالأقرب أنها من صنع ذهن الرائي وما يشغله من توقعات وذكريات. وبهذا المعنى يصير الدخان شاشة تُسقط عليها النفس ما تحمله من أفكار. ولا يصح اعتبار الصورة كيانًا مستقلًا أو خبرًا من خارج النفس.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الدخان أنه يدل على الهم والالتباس، وأن المشهد يتغير بحسب ما يظهر فيه وما يصحبه، وتتفاوت الصياغات في كتب التعبير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتشكل من غموض قد يرمز إلى فكرة تتضح في ذهن صاحبها شيئًا فشيئًا، ويتفاوت المعبرون في تقدير ذلك. وتختلف الآراء في هذا الباب اختلافًا واسعًا، ولا يتفقون على قول واحد. ولذلك يحسن أن تُعد هذه الأقوال اجتهادات للتأمل. ويبقى حال الرائي هو المرجع الأقرب في فهم رؤياه.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كانت الصورة مألوفة، كمنزل أو شجرة أو أداة مما يعرفه الرائي، مال التفسير إلى أن الذهن يستحضر ما يشغله من أمور مألوفة. وإذا كانت الصورة غير واضحة المعالم تتبدل باستمرار، فقد يعكس ذلك تردد الرائي وعدم استقرار فكرته. وإذا كانت واضحة ثابتة فقد تدل على فكرة ناضجة يعرفها في نفسه. وشعور الرائي أثناء الحلم من فضول أو انزعاج أو دهشة جزء من القراءة.
بالنسبة إلى الرائية العزباء، قد تعكس الصورة التي تظهر في الدخان تصورًا لمستقبل تتخيله أو لأمر تتمنى وضوحه. وإذا كانت متزوجة، فقد تعبر عن تصور لشأن في بيتها أو أسرتها تفكر فيه كثيرًا. وللأم قد تعكس صورة تتعلق بأبنائها وما تتمناه لهم. وهذه كلها تصورات تنبع من الرائية نفسها لا من خارجها. وهي احتمالات للتأمل لا أكثر.
أما الرائي الرجل، فقد تعبر الصورة عنده عن خطة أو مشروع يدور في ذهنه ولم يكتمل. وللطالب قد تعكس تصورًا لمستقبل دراسي أو مهني يتخيله. وللموظف قد تدل على فكرة عن تغيير أو ترقية أو مكان عمل جديد. وللتاجر قد تعكس تصورًا لصفقة أو سوق يفكر فيها. وكل ذلك يبقى تأملًا في أفكار الرائي لا خبرًا عن شيء.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فالصورة الكبيرة الواضحة توحي بفكرة تشغل الذهن بقوة، والصغيرة الباهتة توحي بخاطر عابر. وإذا كان الدخان يتبدد قبل أن تكتمل الصورة، فقد يعبر عن فكرة لم تنضج أو عن رغبة في ألا تتضح. وإذا كانت الصورة تثبت مدة وتتضح كلما اقترب منها الرائي، فقد توحي بأن التأمل يزيد الأمر وضوحًا. وإذا تحولت الصورة إلى صورة أخرى فقد يدل ذلك على تقلب الأفكار.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن انشغال الذهن بتصور أو توقع لم يتضح بعد. ويفيد أن يسأل الرائي نفسه عن أول ما خطر بباله حين رأى الصورة، فغالبًا ما يحمل جوابه المفتاح. كما يفيد أن يفصل بين ما يتمناه وما هو واقع، وأن يكتب توقعاته ليراجعها بهدوء. ويحسن ألا يبني قرارًا على الحلم وحده. وإذا ثقلت الأفكار على نفسه فمراجعة مختص مناسبة.
ومما يُنبه إليه أن النظر إلى الصور في الدخان على أنها رسائل أو إشارات من خارج النفس يفتح بابًا للوساوس والقلق بلا فائدة. فالأقرب والأسلم أن تُفهم بوصفها أثرًا لخيال الإنسان وما يعتمل في داخله. وكل إنسان يرى في الغموض ما يشبه همومه وآماله. وهذا أمر مألوف في علم النفس وفي التجربة اليومية. وبه يستقر الرائي ولا ينشغل بما لا يفيد.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا خوف ولا جزم. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالطمأنينة وأن يحسن الظن به. ثم يمضي في يومه بهدوء ويأخذ بالأسباب فيما يخصه.
