رؤية دخان يحيط بالرائي في المنام مشهد قد يترك أثرًا من الضيق، فالإنسان يرى نفسه في وسط شيء كثيف لا يعرف من أين ابتدأ ولا أين ينتهي. وهذه الرؤيا رمزية في أصلها، ولا تدل على حريق ولا على خطر قريب ولا على ضرر يلحق بالرائي. وهي كذلك ليست نصيحة طبية أو أمنية، فلا تغني عن الانتباه إلى السلامة في اليقظة. وإذا شم أحد رائحة دخان أو حريق حقيقية فعليه أن يتحقق من السلامة فورًا ويتصل بالطوارئ دون تأخير. وما يلي محاولة هادئة لفهم الرمز دون جزم.
الدخان في الرؤى يرمز عمومًا إلى الغموض والالتباس وما يحجب الرؤية، وإلى التوتر والضيق والقلق، وقد يشير في بعض التفسيرات إلى قرب انجلاء ما خفي دون قطع. وحين يحيط الدخان بالرائي فالرمز يتركز في معنى الانغماس في الأمر لا النظر إليه من بعيد. فكأن الرائي في وسط انشغال أو التباس يلفه من كل جهة فلا يرى حدوده. وقد يعبر ذلك عن مرحلة تتزاحم فيها المسؤوليات والأفكار حتى يصعب الفصل بينها. ولا يعني هذا وقوع ضرر، فهو وصف لحال الشعور.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الدخان أنه يدل على الهم والالتباس إذا كثف وغشي صاحبه، وأن الخروج منه يدل على انكشاف الأمر وانفراجه، وتتفاوت الصياغات في كتب التعبير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يحيط بالإنسان من غموض قد يشير إلى انشغال به أكثر من غيره، ويتفاوت المعبرون في تقدير ذلك. وتختلف الآراء في هذا الباب اختلافًا واسعًا، ولا يتفقون على قول واحد. ولذلك يحسن أن تُعد هذه الأقوال اجتهادات للتأمل. ويبقى حال الرائي هو المرجع الأقرب.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كان الدخان خفيفًا يحيط بالرائي دون أن يضايقه، مال التفسير إلى انشغال محتمل لا يعيق حركته. وإذا كان كثيفًا يحجب الرؤية ويضيق النفس، فقد يعبر عن ضغط شديد وانشغال متراكم. وإذا كان الرائي يمشي ويخرج منه، فقد يدل على رغبته في الخروج من حال الحيرة. وإذا كان واقفًا لا يتحرك فقد يعكس شعورًا بالعجز أو الانتظار.
بالنسبة إلى الرائية العزباء، قد يرمز المشهد إلى فترة تتزاحم فيها الأفكار حول قرار أو علاقة أو مستقبل، فتشعر بأنها في وسط ضباب من التساؤلات. وإذا كانت متزوجة، فقد يعبر عن انشغال بمسؤوليات البيت وتعدد المطالب حتى يصعب عليها الاسترخاء. وللأم قد يرمز إلى تراكم الأعباء اليومية. وهذه احتمالات للتأمل لا أكثر. وتبقى قراءة الرائية لأحوالها هي الأصدق.
أما الرائي الرجل، فقد يدل المشهد عنده على ازدحام الالتزامات في العمل أو المال أو الأسرة حتى لا يرى مخرجًا واضحًا. وللطالب قد يعبر عن ضغط الاختبارات وتزاحم المواد. وللموظف قد يرمز إلى فترة عمل مرهقة تتداخل فيها المهام. وللتاجر قد يعكس كثرة الحسابات والالتزامات. وتبقى هذه التأويلات عن حال الرائي لا عن حقيقة تنتظره.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فالدخان الأبيض الخفيف يوحي بانشغال يمكن احتماله، والرمادي الكثيف يوحي بثقل أكبر. وإذا كان الدخان يدور حول الرائي فقد يدل على أفكار تتكرر في رأسه، وإذا كان ساكنًا فقد يدل على جمود في حال من أحواله. وإذا ظهرت فجوة أو منفذ فيه فقد توحي برغبة في مخرج، وإذا رافقه صوت أو ضجيج فقد يعبر عن ضغط خارجي. وإذا كان الرائي يتنفس بيسر وسط الدخان فقد يدل على قدرة على الاحتمال.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن إحساس بالانغماس في ضغوط متراكمة. ويفيد أن يتوقف الرائي قليلًا ويكتب كل ما يشغله ثم يرتبه من الأهم إلى الأقل. كما يفيد أن يتنفس بعمق وأن يخرج للمشي أو الجلوس في مكان مفتوح. ويحسن أن يطلب العون ممن يثق بهم في بعض مهامه. وإذا استمر الشعور بالضغط وأثر في حياته فمراجعة مختص مناسبة.
ومما يُنبه إليه أن الإحساس بالاختناق في الحلم قد يكون ناتجًا عن وضعية النوم أو ضيق الأنف أو تغطية الوجه، لا عن رمز بعينه. فإذا تكرر الشعور بضيق النفس أثناء النوم أو اليقظة فمراجعة الطبيب أولى من تأويل الحلم. وكذلك الحال إذا بدا في الغرفة ما يشبه رائحة دخان حقيقي. فالتحقق من السلامة يسبق أي تفسير. وبهذا يجمع الرائي بين الفهم الرمزي والحذر العملي.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا خوف ولا جزم. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالفرج والطمأنينة وأن يحسن الظن به. ثم يمضي في يومه بصبر وهدوء.
