الرؤيا لغة رمزية تحتمل أكثر من وجه، وما يراه النائم لا يُقرأ قراءة حرفية ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الواقع. حين يرى الإنسان ابنه يختلف مع أخيه فإن المشهد يجمع رمز الابن مع رمز الأخوة وما يعتريها من تباين في الآراء. وهذه صورة مألوفة في كل بيت تقريبًا، فقد تكون صدى لمشهد يومي بين الإخوة أكثر من كونها رسالة مستقلة. ويعرض هذا المقال أبرز الاحتمالات بهدوء، مع الإشارة إلى أنها تتغير بتغير حال الرائي.
الابن في الرؤى رمز للامتداد والأمل والمستقبل، ولما يحمله الوالدان من رعاية ومسؤولية تجاهه. وقد يظهر في المنام حين يكون حاضرًا في التفكير، فيحمل بعض أمنيات الرائي له ولإخوته. وأحيانًا تكون الصورة انعكاسًا للقلق الطبيعي الذي يرافق الوالدين حين يريدان لأبنائهم أن يكونوا متآلفين. أما الاختلاف بين الأخوين فيدل في الغالب على تباين الطباع والرغبات وحاجة كل منهما إلى أن يُسمع. فاجتماع الابن مع هذا المشهد قد يشير إلى رغبة الرائي في أن يسود بيته التفاهم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأخ في الرؤى يرتبط في الجملة بالعون والسند وبحال العلاقة بين الإخوة، وأن المعنى يتغير بحسب ما يجري بينهما من ألفة أو تباعد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للخلاف والخصومة في المنام دلالات متفاوتة بحسب أطرافهما وما يجري فيهما من قول وفعل. وأما اختلاف الابن مع أخيه تحديدًا فهو من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة بتفصيلها، فيجتهد المعاصرون في فهمها بالقياس على أصول الباب. ولذلك تتعدد الآراء، ولا يصح الجزم بمعنى واحد.
للسياق أثر كبير في فهم المشهد. فإذا كان الخلاف خفيفًا ينتهي سريعًا بالضحك أو المصالحة، فالحلم أقرب إلى معاني الطبيعة البشرية في الأخوة وما فيها من تدافع لطيف. وإذا كان الخلاف حادًا وبه أصوات عالية، فقد يعكس ذلك توترًا يشعر به الرائي في محيطه، لا لزوم لأن يكون في أبنائه. وإذا كان الرائي يقف بينهما ليهدئ، فقد يرمز ذلك إلى دوره الحاضر في جمع الأسرة. وانطباع الرائي أثناء الحلم من انزعاج أو شفقة أو هدوء قرينة مهمة في ترجيح الاتجاه.
إذا كان الرائي أبًا، فقد يعبر الحلم عن انشغاله بأن يعدل بين أبنائه وأن يصغي إلى كل منهم، وعن رغبته في أن يتحابوا. وقد يكون صدى لمشهد حقيقي تجادل فيه الأخوان على لعبة أو مكان أو دور. وربما يعكس تمنيه أن يرى بيته هادئًا بعد يوم طويل. وهي معان شائعة عند الآباء، ولا تدل على أمر خارج المألوف.
وإذا كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط الصورة بمزيج من التعب والمحبة، فالأم كثيرًا ما تقف في الوسط بين أبنائها وتحاول إرضاء الجميع. وقد تحمل حنينًا إلى أوقات كان فيها الأخوان متقاربين، أو أملًا في أن يكبرا فيصبحا سندًا لبعضهما. وهذا الشعور شائع ولا يعني وجود مشكلة، بل هو من صور الحرص الذي يتجدد مع كل مرحلة. ولعل الحلم يعبر عن رغبتها في أن يتفهم كل منهما الآخر.
أما من ليس له أبناء، فقد يرمز الابنان المختلفان في حلمه إلى جانبين متباينين في نفسه، كرغبتين متعارضتين أو فكرتين تتنازعان القرار. وقد يعبر عن مشروع تتجاذبه اتجاهات متعددة. وقد يظهر عند من يتمنى أسرة فيعكس رجاءه في بيت يعمره الود. ولا يصح هنا استخراج خبر جازم عن زواج أو إنجاب، فالمقصود هو المعنى الرمزي العام للتباين والتوازن.
وتؤثر التفاصيل الدقيقة في الدلالة. فموضوع الخلاف مهم، فالخلاف على لعبة يميل إلى معنى المنافسة البسيطة، والخلاف على مكان أو دور يميل إلى معنى الحاجة إلى الاعتراف. وسن الأخوين قرينة أيضًا، فصغيران يختلفان يوحي بحياة طبيعية، وكبيران قد يوحي بحاجة إلى مساحة مستقلة لكل منهما. وإن كان أحدهما يتراجع بهدوء فقد يعبر ذلك عن نضج وروية. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا قواعد ثابتة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الإصغاء لكل ابن على حدة، وإلى منح كل منهما وقتًا خاصًا يشعره بأنه مرئي ومقدر. فالاهتمام بالأبناء والحوار الهادئ معهم يمنحهم الأمان ويخفف قلق الوالدين الذي يتسلل إلى الأحلام. ومن المفيد أن تُحل الخلافات الصغيرة بمحادثة هادئة بعد انتهاء الانفعال، لا في ذروته، وبلا مقارنة بين الإخوة. وليس هذا التفسير نصيحة طبية أو تربوية متخصصة. وإذا كان القلق على الأبناء شديدًا ومستمرًا ويؤثر في النوم أو الحياة اليومية، فمن الجيد التحدث مع مختص أو أحد أفراد الأسرة الموثوقين.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني عن حسن التصرف في الواقع ولا عن الرجوع إلى أهل الاختصاص عند الحاجة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُبنى عليها قرارات مصيرية. ومن الخير للرائي أن يدعو لأبنائه بالصلاح والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه فيما يستقبله من أيام. وفي الدعاء أن يؤلف الله بين قلوبهم وأن يرزقه الطمأنينة في بيته. والله أعلم بحقيقة الأمور.
