الرؤيا لغة رمزية تحتمل أكثر من وجه، وما يراه النائم لا يُقرأ قراءة حرفية ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الواقع. حين يرى الإنسان في منامه ابنًا لا يعرفه، أي طفلًا أو شابًا يُقال له إنه ابنه وهو لا يتعرف إلى ملامحه، فإن الغرابة هنا جزء من الرمز نفسه. وهذه الصورة تتكرر في الأحلام لأن النفس قد تصوغ شخصيات مركبة من انطباعات متعددة. ويعرض هذا المقال أبرز الاحتمالات بهدوء، مع الإشارة إلى أن المقصود هو المعنى الرمزي لا خبر عن واقع.
الابن في الرؤى رمز للامتداد والأمل والمستقبل، ولما يحمله الوالدان من رعاية ومسؤولية تجاهه. وغرابة الوجه في الحلم قد تشير إلى جانب غير مألوف في حياة الرائي، كفكرة جديدة أو مرحلة لم تتضح معالمها أو مسؤولية ينتظرها. وأحيانًا تكون الصورة انعكاسًا للقلق الطبيعي من المجهول الذي يرافق كل إنسان حين يفكر في الغد. فاجتماع الابن مع عدم المعرفة قد يشير إلى أمل لم يتشكل بعد أو إلى سؤال عما سيأتي.
نُسب إلى ابن سيرين أن من يرى في المنام شخصًا لا يعرفه فإنه يُحمل في الجملة على معنى مجهول يتضح بحسب هيئته وحاله، وأن حسن هيئته يدل على حسن المعنى المقصود. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأشخاص المجهولين في الرؤى قد يدلون على أحوال لم تتبين بعد أو على معان تتعلق بالنفس. وأما رؤية ابن لا يعرفه الرائي تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة بتفصيلها، فيجتهد المعاصرون في فهمها بالقياس على أصول الباب. ولذلك تتعدد الآراء، ولا يصح الجزم بمعنى واحد.
للسياق أثر كبير في فهم المشهد. فإذا كان الابن المجهول مبتسمًا هادئًا والرائي مطمئنًا، فالحلم أقرب إلى معاني الانفتاح على جديد قادم وتقبل ما لم يُعرف بعد. وإذا كان الرائي يشعر بالحيرة أو بالتوتر، فقد يعكس ذلك حيرة حقيقية في مسألة من مسائل حياته لا في أبنائه. وإذا كان الابن يقترب من الرائي بود، فقد يرمز ذلك إلى استعداد داخلي لمعرفة جانب جديد من النفس. وانطباع الرائي أثناء الحلم من فضول أو دهشة أو حذر قرينة مهمة في ترجيح الاتجاه.
إذا كان الرائي أبًا، فقد يعبر الحلم عن إحساسه بأن ابنه يكبر ويتغير حتى يبدو أحيانًا شخصًا لم يعرفه من قبل. وقد يكون صدى لمرحلة مراهقة أو لانتقال إلى طور جديد يحتاج فيه إلى مزيد من التعرف على ابنه. وربما يعكس رغبته في أن يقترب أكثر من عالم ابنه وأفكاره. وهي معان شائعة عند الآباء، ولا تدل على أمر خارج المألوف.
وإذا كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط الصورة بشعورها أن ابنها لم يعد كما كان، وأن له الآن أصدقاء وأسرارًا وأفكارًا جديدة. وقد تحمل مزيجًا من الفخر والحنين، وشيئًا من الدهشة أمام من يكبر أمامها. وهذا الشعور شائع ولا يعني وجود مشكلة، بل هو من صور الحرص الذي يتجدد مع كل مرحلة. ولعل الحلم يعبر عن رغبتها في أن تتعرف إلى ابنها من جديد بحب وصبر.
أما من ليس له أبناء، فقد يرمز الابن المجهول في حلمه إلى جانب في نفسه لم يتعرف إليه بعد، أو إلى مشروع أو مرحلة غامضة المعالم. وقد يعبر عن أمل لم يتضح اتجاهه أو عن أمنية مؤجلة. وقد يظهر عند من يتمنى أسرة فيعكس رجاءه وتساؤله عن المستقبل. ولا يصح هنا استخراج خبر جازم عن زواج أو إنجاب، فالمقصود هو المعنى الرمزي العام للمجهول والأمل.
وتؤثر التفاصيل الدقيقة في الدلالة. فهيئة الابن المجهول مهمة، فالهيئة الحسنة النظيفة تميل إلى معنى الأمل والارتياح، وهيئة التعب أو الحيرة قد تميل إلى معنى الحاجة إلى عناية. ومكان اللقاء قرينة أيضًا، فالبيت يوحي بالألفة، والطريق أو المكان الغريب يوحي بالانتقال أو الاستكشاف. وإن كان الابن يعرف الرائي ويناديه فقد يعبر ذلك عن رغبة في التواصل. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا قواعد ثابتة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى التعرف إلى الأبناء من جديد كلما كبروا، بالاستماع إليهم وسؤالهم عما يحبونه وما يشغلهم. فالاهتمام بالأبناء والحوار الهادئ معهم يمنحهم الأمان ويخفف قلق الوالدين الذي يتسلل إلى الأحلام. ومن المفيد أن يخصص الوالد وقتًا هادئًا يسمع فيه من ابنه بلا مقاطعة أو استعجال. وليس هذا التفسير نصيحة طبية أو تربوية متخصصة. وإذا كان القلق على الأبناء شديدًا ومستمرًا ويؤثر في النوم أو الحياة اليومية، فمن الجيد التحدث مع مختص أو أحد أفراد الأسرة الموثوقين.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني عن حسن التصرف في الواقع ولا عن الرجوع إلى أهل الاختصاص عند الحاجة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُبنى عليها قرارات مصيرية. ومن الخير للرائي أن يدعو لأبنائه بالصلاح والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه فيما يستقبله من أيام. وفي الدعاء أن يرزقه الله الطمأنينة وأن يهديه إلى ما فيه الخير. والله أعلم بحقيقة الأمور.
