من الرؤى الطيبة أن يرى الإنسان نفسه يقدّم الشاي لضيوفه بسخاء، فيملأ لهم الكؤوس ويلحّ عليهم بالمزيد، أو أنه يُكرَم بشاي غزير في بيت كريم، أو أنه يهدي الشاي إلى جيرانه وأقاربه. وهذه الصورة تجمع بين مشروب مألوف وخلق نبيل، فهي من الرؤى التي تترك أثراً حسناً. ونقول إن التأويل رمزي لا حرفي، وإن ما نذكره قراءات مرجّحة قد تخطئ، ولا يصح أن تتحول إلى حكم قاطع على الأمور.
الشاي في المنام رمز للضيافة والمودة، والكرم هو جوهر الضيافة. فاجتماعهما يدل على سخاء النفس وطيب المعشر، وعلى بركة في العطاء تعود على صاحبها بالمحبة. وقد يدل على كرم يُمارَس أو يُستقبَل، أو على بيت تعمّه الألفة وتكثر فيه الزيارات. ويظل المعنى متوقفاً على موقع الرائي من المشهد: هل هو مضيف أم ضيف، وهل شعر بالفرح أم بالتكلف.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الإطعام والسقي في الرؤيا قد يدل على الخير والإحسان إلى الناس، وذهب بعض المفسرين إلى أن إكرام الضيف في المنام قد يدل على حسن الذكر وسعة الرزق. ولا بد أن نقول إن الشاي لم يشتهر في بلاد العرب إلا في قرون متأخرة، فلا نجد في الكتب القديمة باباً لكرم الشاي، وإنما يؤخذ بالقياس على الضيافة والسقي والإطعام وما كتبه المتأخرون. وقد اختلف المفسرون فيما بينهم فلا يُجزم.
يتغير المعنى بحسب التفاصيل. فإن كان الضيوف يشربون بسرور ويشكرون، فهو أقرب إلى بركة وثناء. وإن كان الكرم متكلفاً يشعر الرائي معه بالعبء، فقد يدل على مجاملات ترهقه. وإن كان هو الضيف المكرَم فهو أقرب إلى خير يأتيه من أهل الفضل. وإن بالغ في الإكرام حتى أسرف، فالمعنى يميل إلى تنبيه لطيف إلى الاعتدال. ولنوعية الضيوف أثر في الدلالة.
للفتاة غير المتزوجة قد يدل الكرم على حسن خلقها وسمعتها الطيبة، وربما على خطبة أو لقاء يُبنى على احترام وتقدير. وللمرأة المتزوجة قد يدل على بركة في بيتها وفضل على أهلها ومحبة من الناس لها. وللحامل قد يدل على رعاية وعناية تحيط بها، وعلى دعاء الناس لها بالخير.
وللرجل قد يدل على سمعة حسنة وكرم وعلاقات ثرية، وربما على رزق يأتي بسبب حسن المعاملة. وللمطلقة قد يدل على أن أهلها وصحبتها يحيطونها بالكرم والدعم، وعلى فتح أبواب خير بعد انقطاع. ويبقى هذا كله من باب الاحتمال.
ومن الدقائق أن تنظر إلى نوع الضيوف وكثرتهم، فالضيوف من الأقارب يشيرون إلى صلة رحم وبرّ، ومن الجيران إلى حسن جوار، ومن الغرباء إلى فرص جديدة وسمعة تنتشر. وانظر إلى أوعية الإكرام، فالصينية الجميلة أقرب إلى أصالة وتقدير، والأواني البسيطة أقرب إلى صدق بلا تكلف. وتأمل شعورك، فالفرح الصافي علامة حسنة.
وقد يُنظر إلى هذه الرؤيا على أنها تذكير بأن العطاء لا يحتاج إلى مال كثير، فكوب شاي مع ابتسامة صادقة قد يغني عن مائدة كاملة. وكم من بيت متواضع ازدحم بالأحبة لأن أهله أحسنوا الاستقبال. وهذا فهم يعين على إدراك أن الكرم خلق قبل أن يكون إنفاقاً.
ومن الوجوه الجائزة أن تكون الرؤيا دعوة إلى أن يبادر الرائي إلى دعوة من تباعد عنهم، فكوب الشاي كثيراً ما يكون أول خيط لوصل ما انقطع. وهذا معنى عملي يسير على كل أحد، وبه تُجبر القلوب. ولا ينبغي أن يؤجل الإنسان الخير الصغير انتظاراً لظرف أفضل.
ومن الناحية النفسية قد تدل الرؤيا على رغبة الرائي في أن يكون معطاءً وعلى سعادته بالبذل، وهذا خلق يُحمد. غير أن عليه أن يوازن بين العطاء وحاجاته، فلا يرهق نفسه. وليس في الحلم ما يضمن شيئاً من الرزق أو الجاه.
ومن الأوجه التي ينبغي أن تُذكر أن الكرم في الأحلام قد يأتي بصورة معكوسة، فيرى الرائي نفسه بخيلاً يخبئ الشاي ويتعذر بنفاده، أو يرى ضيفاً يستنكف عن كرم المضيف. وهذه الصور ليست إدانة لأحد، وإنما قد تعبّر عن مخاوف خفية من الحاجة أو من الحرج الاجتماعي. فمن رأى نفسه كذلك فالأولى أن يتأمل بهدوء ما يخافه حقاً، وهل في يقظته ما يدفعه إلى الإمساك أكثر مما يرتاح إليه. وقد يكون الحل في طمأنة نفسه بأن الله هو الرزاق، وأن العطاء المعتدل لا ينقص ما عنده بل يبارك فيه.
وفي بعض البيئات يُعد تقديم الشاي أول واجب للضيف قبل أن يُسأل عن حاجته، فتكون الرؤيا صدى لهذا العرف الجميل. وحينها ينبغي ألا نحمّلها فوق ما تحتمل، فهي تعبير عن قيمة اجتماعية راسخة، وفي الحفاظ عليها خير لنا ولأبنائنا.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه إنفاق أو التزام مالي أو قرار حقيقي. والأولى أن يتوجه الإنسان بالدعاء وحسن الظن بالله ويأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نحن إلا نتأمل بقدر الفهم.
