كثيراً ما يرى الإنسان في منامه كوب شاي يعيده إلى بيت قديم أو جلسة مع جدّ أو جدة أو صديق غائب، فيستيقظ وفي قلبه شيء من الشوق والدفء. قد تكون الرؤيا في بيت الطفولة، وقد تكون في مجلس رحل أهله، وقد يرى الرائي نفسه صغيراً يشرب الشاي مع والديه كما كان. وهذه من أكثر المنامات التصاقاً بالذاكرة والمشاعر. ونقول إن التأويل رمزي لا حرفي، وإن ما نذكره قراءات محتملة قد تخطئ، ولا نجزم فيها بشيء.
الشاي في المنام يرمز إلى الأنس والضيافة واللمة، والحنين رمز لتعلق النفس بما مضى من أيام وأشخاص. فاجتماعهما يدل على أن الذاكرة تستحضر جلسات دافئة غابت، أو على شوق إلى صحبة لا تتكرر، أو على أن الرائي يحتاج في هذه المرحلة إلى جذوره ليستند إليها. وقد يدل على رغبة في استعادة طمأنينة الماضي، أو على تقدير لقيمة ما كان بين يديه ولم ينتبه له. وهو من الرؤى التي تحمل شجناً لطيفاً.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الأموات أو الأحباب الغائبين في أحوال حسنة قد تدل على حسن حالهم أو على خير يتصل بهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن المنامات التي تحمل ذكرى الماضي قد تكون من حديث النفس. ومن الأمانة أن نقول إن الشاي لم يشتهر عند العرب إلا في قرون متأخرة، فلا نجد في الكتب القديمة ذكراً له في هذا السياق، وإنما يؤخذ التأويل بالقياس على المجالس والذكرى وما كتبه المتأخرون. وقد اختلف أهل التعبير فلا نقطع بشيء.
يتغير المعنى بحسب التفاصيل. فإن كان المشهد دافئاً والوجوه باسمة، فهو أقرب إلى حنين صاف وذكرى طيبة. وإن كان فيه حزن أو دمع، فهو أقرب إلى شوق تحتاج النفس معه إلى الدعاء والسلوان. وإن كان المكان قد تغير عما كان عليه، فقد يدل على إدراك الرائي أن الزمان تبدل. وإن كان الرائي يرى نفسه صغيراً، فهو أقرب إلى حاجة إلى الأمان والرعاية. ولمن حضر المجلس أثر في ترجيح المعنى.
للفتاة غير المتزوجة قد يدل الحنين على تعلقها ببيت أهلها وأيام الطفولة، وعلى ما تشعر به من انتقال وشيك أو مرحلة جديدة. وللمرأة المتزوجة قد يدل على شوق إلى بيت أمها وأيام الصغر، وعلى حاجتها إلى صلة بأهلها ولو بمكالمة. وللحامل قد يدل على شوق إلى الأم والاحتواء، ويُحسن أن تأخذه بسكينة وتتصل بمن تحب.
وللرجل قد يدل على حنين إلى أيام الأهل والأصدقاء قبل مشاغل الحياة، وإلى جلسات الأب أو الجد وما فيها من حكمة. وللمطلقة قد يدل على شوق إلى الاستقرار الذي عرفته أو إلى أيام الأهل الأولى، ويدعوها إلى القرب منهم. وكل ذلك احتمالات فقط، لا يُقطع بها.
ومن الدقائق أن تنظر إلى مصدر الدفء في الحلم، فرائحة الشاي أو صوت الملاعق أو صورة الإبريق أو ضوء المصباح القديم، كل منها يشير إلى ركن من الذاكرة. وانظر هل كان معك من رحل عن الدنيا، فإن كان فهو أقرب إلى دعوة للدعاء له والصدقة عنه، وليس إلى خبر محدد. وانتبه إلى ما شعرت به عند الاستيقاظ، فهو مفتاح فهم الرؤيا.
ويمكن أن تُقرأ هذه الرؤيا على أنها دعوة إلى الوفاء، فالحنين خلق نبيل إذا تحول إلى صلة وبر، كأن يتصل الرائي بمن غابوا عنه، أو يزور قبور أحبائه ويدعو لهم، أو يجمع أبناءه ليحكي لهم عن جلسات الماضي. فبهذا يتحول الألم إلى عمل نافع. وهذا فهم تربوي مقبول لا يدخل في الغيب.
ومن الوجوه الأخرى أن يكون الحنين علامة على أن الرائي يمر بمرحلة تغيّر كبيرة فيتعلق بما هو ثابت من الماضي، كما يتشبث الإنسان بحبل في عاصفة. وهذا طبيعي ولا يعني ضعفاً، فالجذور تعطي قوة. وينبغي أن يوازن بين الالتفات إلى الماضي والمضي إلى المستقبل.
ومن الناحية النفسية قد يرى الإنسان هذه الرؤيا في أوقات الغربة والبعد، فهي تعبير عن حاجته إلى دفء الأهل. وفي هذه الحالة يكفي أن يتواصل معهم ويخبرهم بحبه. وإن اشتد عليه الشوق حتى أثّر في حياته فالحديث إلى من يثق به نافع.
ولا يخفى أن للروائح والأصوات المصاحبة للحنين قدرة خاصة على فتح باب الذاكرة، فصوت الغليان أو قرقعة الكؤوس أو رائحة الهيل والنعناع قد تعيد إلى النفس بيتاً كاملاً بتفاصيله. ولذلك فإن الرؤيا في بعض الأحيان ليست أكثر من عودة حسية إلى مكان وزمان محبوبين، ولا تحتاج إلى تأويل أبعد من هذا. وإذا استيقظ الرائي مبتسماً ممتناً فتلك أجمل ثمار هذه الرؤيا، وإذا استيقظ حزيناً فليسأل الله لأحبته الرحمة والعافية وليستعن بالصبر.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي. وأولى ما يقابل به الإنسان رؤياه الدعاء لأحبائه وحسن الظن بالله والعمل بالأسباب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نحن إلا نتأمل بقدر الفهم.
