من الرؤى الجميلة أن يشمّ الإنسان في منامه رائحة الشاي تنتشر في البيت أو في الطريق أو في مجلس لا يرى فيه كوباً ولا إبريقاً. هذه الرؤيا تجمع بين حاسة الشم وبين مشروب مألوف، فتترك أثراً هادئاً في النفس يبقى بعد الاستيقاظ. وهي كثيرة عند من يعيشون في بيوت تُصنع فيها الشاي كل صباح، فقد يكون للذاكرة نصيب كبير فيها. ومع ذلك فنحن نتكلم هنا عن تأويل رمزي لا عن حكم يقيني، فكل ما يُذكر يحتمل الصواب والخطأ.
الرائحة في الأحلام تحمل معنى خاصاً، فهي من الحواس التي تسبق الشيء نفسه، وكأنها خبر يصل قبل صاحبه. لذلك يُنظر إلى رائحة الشاي الطيبة على أنها إشارة إلى أنس يقترب، أو ضيف يُنتظر، أو لقاء دافئ يلوح في الأفق. وهي في الوقت نفسه ترتبط بالراحة والتمهل والهدوء، فكأن الرؤيا تدعو الرائي إلى لحظة سكون بعد انشغال طويل. وإن كانت الرائحة قوية جداً أو خانقة مال المعنى إلى أمر يلح على الرائي ويشغل باله.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الرائحة الطيبة في المنام تدل على ذكر حسن بين الناس وعلى خبر سار، وذهب بعض المفسرين إلى أن الروائح الزكية عموماً تُحمل على الثناء والقبول. وعلينا أن نقول بوضوح إن الشاي لم يكن معروفاً في بلاد العرب في العصور الأولى، ولذلك لا نجد في كتب التعبير القديمة حديثاً مفصلاً عن رائحته، وإنما يُستأنس بما قيل في الروائح الطيبة والأشربة الدافئة وبما كتبه المتأخرون. ويبقى اختلاف المفسرين قائماً، فلا نجزم بشيء.
يتغير المعنى كثيراً بحسب نوع الرائحة ومصدرها. فرائحة الشاي المخلوط بالنعناع أو الهيل قد تدل على سرور ممزوج ببركة وضيافة كريمة، ورائحة الشاي الطازج الخارج من الإبريق قد تدل على بشارة قريبة. أما رائحة الشاي المحترق أو القديم فقد تشير إلى أمر انقضى وقته أو إلى ذكرى متعبة تحتاج أن تُترك. وإذا كان مصدر الرائحة بيتاً مألوفاً دل ذلك على صلة بالأهل والأقارب، وإن كان مكاناً مجهولاً دل على فرصة جديدة أو لقاء لم يُعرف بعد.
للفتاة غير المتزوجة قد تدل رائحة الشاي الطيبة على حديث جميل يُقال عنها أو على زيارة يُنتظر أن تحمل خيراً، وهي في العموم رؤيا لطيفة تبعث على الطمأنينة. وللمرأة المتزوجة قد تدل على أنس في بيتها وزيارة أهل وأحباب، وقد تكون تذكيراً بأيام جميلة جمعتها بأسرتها. وللحامل قد تعبّر عن حنين للدفء والأمان، ولا يُبنى عليها أكثر من ذلك.
وأما الرجل فقد تدل الرائحة عنده على ضيف عزيز أو خبر مفرح عن صديق، وقد تكون إشارة إلى صلح قريب أو لقاء مع من غاب عنه طويلاً. وللمطلقة قد تحمل معنى تجدد الراحة النفسية وعودة الألفة في محيطها الاجتماعي. وفي كل ذلك فالأمر مرجّح لا مقطوع به.
ومن الدقائق المهمة أن تتذكر هل كان معك أحد أثناء شمّ الرائحة، وهل بحثت عن مصدرها أم تركتها تملأ المكان. فمن بحث عنها وتتبعها ربما كان مشتاقاً إلى أمر يطلبه، ومن استسلم لها كان أقرب إلى الطمأنينة والرضا. وانتبه كذلك إلى وقت الرؤيا، فإن كانت في الفجر أو الصباح فالمعنى أقرب إلى بدايات طيبة، وإن كانت في المساء فأقرب إلى ختام يوم وراحة بعد تعب.
ومن الجانب النفسي فإن للرائحة قدرة عجيبة على استدعاء الذكريات، فربما كانت الرؤيا صدى لبيت الجدة أو لصباح العائلة أو لجلسة قديمة جمعت أحبة. وحين تأتي الرؤيا هكذا فهي تدعو إلى صلة الأرحام والاتصال بمن نحب ولو بمكالمة قصيرة. وهذا تأويل عملي لا يحتاج إلى شيء غيبي، وهو من أنفع ما يؤخذ من مثل هذه الرؤى.
ويمكن النظر إلى رائحة الشاي في الرؤيا من زاوية أخرى، وهي أنها تأتي دون جهد من الرائي، فهي تصله حيث هو وتعبّر عن عطاء لا يُطلب. ولذلك يميل بعض من تأملوا هذه الرؤى إلى أن تكون إشارة إلى رزق أو راحة تأتي بغير سعي كبير، أو إلى عناية خفية تحيط بالإنسان في مرحلة من حياته. وقد تكون كذلك تذكيراً بأن اللحظات البسيطة هي أثمن ما في اليوم، وأن من أحسن الإصغاء إليها وجد فيها سكينة لا تشتريها الأموال. وهذا من المعاني الجميلة التي لا تتعارض مع حسن التوكل.
وإذا كانت الرائحة في الرؤيا مصحوبة بصوت غليان الماء أو صوت الملاعق على الكؤوس، فهذا يضيف عنصر الاجتماع والحركة، ويرجّح أن المقصود لقاء قريب أو استعداد لضيافة. وإن كانت الرائحة وحدها في صمت تام فهي أقرب إلى حنين وتأمل وخلوة صافية. والفرق بين الحالتين دقيق لكنه يساعد على ترجيح المعنى الأنسب لحال الرائي في يقظته.
وفي ختام الأمر فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يوافق الصواب وقد يخالفه، ولا يصلح أن يكون مستنداً لقرار في المال أو الزواج أو العمل. وعلى المؤمن أن يستقبل رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يعمل في يقظته بما يعلم من الخير. والغيب علمه عند الله وحده، وما نفعله هنا هو محاولة متواضعة لقراءة الرموز.
