يستيقظ بعض الناس من حلم شربوا فيه شاياً مراً قابضاً يترك أثره في الفم، فيتساءلون هل في الأمر نذير أو إشارة. والحقيقة أن مرارة الشاي في الواقع قد تكون لمجرد طول النقع أو كثرة الأوراق، وقد ينتقل ذلك إلى الحلم من غير معنى بعيد. غير أننا نتأمل الرمز بحسب ما اعتاد المفسرون من النظر في الطعوم. ولا بد من التنبيه على أن التفسير رمزي لا حرفي ولا يبنى عليه جزم.
الطعم المر في الرؤى يُنظر إليه غالباً على أنه رمز لأمر ثقيل على النفس يحتاج إلى تحمل، كمهمة مرهقة أو كلام جارح أو موقف لا نحبه. أما الشاي في ذاته فهو رمز الأنس والصبر، فاجتماع المرارة مع الشاي يوحي بأن في صحبة أو بيئة قريبة أمراً مزعجاً يُتجرع على مضض. وقد يشير إلى مسألة نقبل عليها لأنها لازمة وإن لم تكن لذيذة. فهو مرارة مقرونة بصبر لا مرارة يأس.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعوم أن المر في المنام يدل على شدة أو هم أو كلام قبيح، وأن من ذاق شيئاً مراً قد يصيبه مكروه بقدر مرارته، ثم يعقبه فرج. وذهب بعض المفسرين إلى أن المر قد يدل على دواء وعلاج ينفع بعد مشقة، فللمر وجهان عندهم. وليس للشاي المر نص قديم بعينه، فقد جاء الشاي متأخراً في بلاد العرب، فكل ما يقال هو قياس على الطعوم والأشربة، من اجتهاد المتأخرين الذين اختلفوا فيه ولم يتفقوا.
وتتنوع الدلالة بتنوع الظروف، فمرارة خفيفة تُحتمل وتزول بإضافة السكر تدل على أمر هين ينفرج سريعاً، ومرارة شديدة لا تُطاق قد تشير إلى موقف ثقيل يحتاج إلى حكمة. وإذا كان الشاي مراً لأنه تُرك طويلاً فقد يوحي بتأخر أو إهمال في أمر، وإن كان المنع من الشرب هو الأقرب فقد تكون النفس تنفر من أمر قادم. وإن قُدّم من إنسان بعينه، فقد تكون المرارة رمزاً لعلاقة مع ذلك الشخص فيها ما يؤلم.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يشير الشاي المر إلى موقف أو كلمة لم ترتح لها، أو قلق من خيار يلوح أمامها، وربما إلى ضغط أسري تتحمله بصمت. وإن أضافت إليه سكراً فصار حلواً فلعل ذلك رمز لتدبيرها وحسن تعاملها مع الموقف. وهذه إشارات ظنية لا غير.
وللمرأة المتزوجة، قد تدل المرارة على إرهاق مسؤوليات أو على كلمة قاسية سمعتها، وأن الصبر والتفاهم يخففان الموقف. وللرجل قد تشير إلى مشقة عمل أو التزام مالي ثقيل. وللمطلقة قد تنعكس فيها ذكرى ثقيلة تتجدد، مع أمل في أن يخفف الزمن أثرها. وللحامل قد تدل على تعب عابر، والأمور الصحية يقررها الطبيب.
ومن الدقائق التي تحسن ملاحظتها: هل أتممت الكوب رغم مرارته أم تركته، فمن أتمه صبر وتحمل، ومن تركه قد تكون نفسه رافضة أمراً. وهل أضفت إليه سكراً أو حليباً أو عسلاً، فذلك يدل على سعي إلى تخفيف المرارة. وهل رافقته حلوى أو تمر، فالحلوى تدل على عوض حلو بعد المر. وكل هذه ظلال محتملة.
أما نفسياً، فالرؤيا قد تكون انعكاساً لأمر يضايقك في يقظتك ولم تعبر عنه بعد، كعبء عمل أو علاقة أو توقعات الناس. وقد تكون دعوة هادئة إلى مواجهته بصراحة ولين بدل كتمانه. فالمرارة المكبوتة تثقل القلب، ومشاركتها مع قريب موثوق قد تخففها. ومن لطف الله أن للهمّ فرجاً وللمرارة حلاوة بعدها.
وإذا تأملنا الشاي المر وجدناه يعلمنا أن التسرع في الحكم على الأمور قد يظلمها، فبعض المرارة تعود إلى إهمال التحضير لا إلى فساد المادة. فكذلك بعض ما نراه صعباً في حياتنا يحتاج فقط إلى تدبير أفضل وصبر أطول. وهذا درس تربوي نستأنس به لا تفسير غيبي.
ومن الجدير بالذكر أن بعض الناس يستسيغون الشاي القوي المر ويحبونه، فمرارته عندهم علامة جودة لا عيب. فإن كنت من هؤلاء فقد لا يحمل الحلم أي دلالة سلبية، بل يكون مجرد مشهد من مشاهد ذوقك المعتاد. والتفسير الحقيقي يتوقف على شعورك: أكنت منزعجاً من المرارة أم راضياً بها؟ فإن كان الأول فالمعنى أقرب إلى ضيق، وإن كان الثاني فهو أقرب إلى احتمال واعٍ وقوة.
وقد يرى الإنسان شخصاً آخر يشرب شاياً مراً بوجه متجهم، فيكون ذلك أقرب إلى انتباه لحال ذلك الشخص ومعاناته، وربما دعوة إلى مواساته وسؤاله. وفي هذا خير للرائي، إذ يتحول الحلم إلى باعث على صلة وتفقد. ولا يصح أن يُحمل المشهد على اتهام أحد أو سوء ظن به، فما هو إلا رمز.
وكثيراً ما تتبدل المرارة في الحلم إلى حلاوة عندما يتغير المشهد، وهذا من اللطائف، فهو قد يشير إلى أن الشدة التي في النفس لا تدوم وأن بعدها ما يطيب. وهذه بشارة يُستأنس بها دون جزم.
وفي الختام، كل ما قيل اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي أو سبباً لخوف أو قلق. والأفضل أن يحسن الإنسان ظنه بربه، ويكثر من الدعاء، ويأخذ بالأسباب المشروعة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما سواه ظنون.
