قد يرى الإنسان في منامه أنه يغلي الشاي في إبريق على النار، يتابع الفقاعات وهي ترتفع ويسمع صوت الغليان والرائحة تملأ المكان. وهذا الحلم مألوف عند من اعتادوا إعداد الشاي على النار، فهو مشهد يوحي بالدفء والحركة. ومن المهم أن نذكر أن تفسيره رمزي، وأن الأحلام لا تُقرأ حرفياً ولا يُجزم بمعناها. فلنتأمل ما قد يحمله من إشارات على سبيل الاستئناس.
الغليان صورة لتفاعل وحركة وصبر على نار، فهو انتقال من الكمون إلى النضج. وقد يرمز في الأحلام إلى أمر يختمر في حياة الرائي، كفكرة أو علاقة أو مشروع يحتاج وقتاً ليبلغ كماله. والنار الهادئة تدل على صبر وتدرج، والنار الشديدة تدل على عجلة أو انفعال. وهذا الفعل بحد ذاته يوحي بمرحلة وسط، فلا هو بداية ولا نهاية، بل انتظار لما سيحدث عند النضج.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب النار والقدور أن من رأى قدراً يغلي على نار هادئة دل ذلك على أمر يتم بعد صبر، وأن النار التي تفور بشدة قد تدل على غضب أو فتنة بحسب حالها، وهذا في عموم المعنى. وذهب بعض المفسرين إلى أن غليان الماء يدل على مشقة تسبق راحة. ولا بد من الاعتراف بأن الشاي لم يكن معروفاً عندهم بالصورة الحالية، وأن ما يقال في غليانه قياس على الغلي والقدور من اجتهاد المتأخرين، وهم مختلفون في ذلك.
وتتبدل الدلالة بحسب التفاصيل، فالغليان المعتدل الذي يبلغ حده ثم يُرفع عن النار يدل على حسن تقدير وحكمة. وإن فار الإبريق وانسكب الشاي على النار فقد يدل على استعجال أو إفراط يفسد الحال، وإن غلى أكثر من اللازم حتى صار مراً فقد يشير إلى مبالغة في الانتظار أو التمسك. وإن كان الرائي يراقبه بانتباه فهو يقظة، وإن غفل عنه فالتنبيه على الانشغال.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز غلي الشاي إلى أمر في حياتها يختمر ببطء، كخطوة مستقبلية أو علاقة جديدة، وأن عليها أن تصبر وتراقب ولا تستعجل. وإن أحست بدفء أثناء الغلي فالمعنى لطيف. وإن فار الإبريق فلعل فيه تنبيهاً إلى التريث. وهذا ظن لا يُبنى عليه شيء.
وللمرأة المتزوجة، قد يرمز إلى انشغال الأسرة وتدبير شؤون البيت، وإلى أمر يختمر في الأسرة كقرار انتقال أو تحضير مناسبة. وللحامل قد يرمز إلى انتظار وصبر على أمر جميل يُنتظر، وفيما يتعلق بالشاي في الحمل يرجع إلى الطبيب. وللمطلقة قد يشير إلى مرحلة نضج داخلي بطيء بعد تجربة، تحتاج إلى مهلة.
وللرجل قد يدل غلي الشاي على مشروع يُطبخ على مهل، أو انتظار نتيجة اتفاق، أو سهر على أمر يحتاج متابعة. وهو إشارة إلى أن الاستعجال قد يفسد الثمرة. وإن كان يغلي الشاي في مكان عمل فقد يتصل بالتعاون مع الزملاء وتدبير الشأن اليومي. وإن غلاه في رحلة أو بر فهو أنس وصحبة.
ومن الدقائق: لون الشاي وهو يغلي، فكلما اشتد سواده قد يدل على جد وتركيز أكثر، ورائحته، فالرائحة الطيبة تحيل إلى حسن العاقبة، ومدة الغليان، وهل رُفع في وقته. كما أن صوت الغليان قد يرمز إلى ضجيج حول أمر لم يتضح، أو إلى حديث يدور وراء الأبواب. ويبقى كل ذلك تقديراً لا يقيناً.
وقد يظهر هذا الحلم في أيام الانتظار، كانتظار نتيجة أو موعد أو خبر، فتأتي صورة الغليان مناسبة للحال. وفيها ما يهدئ، فالأوراق لا تُخرج نكهتها بالعجلة، وكذلك الأمور الطيبة لها وقتها. وهي قراءة معنوية تشجع على الصبر دون وعد بنتيجة بعينها.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن طاقة داخلية تغلي، من انفعال أو حماسة أو قلق، وتحتاج إلى تصريف هادئ. وربما كان من المناسب أن تمشي قليلاً أو تتحدث مع من تثق به أو تكتب ما يشغلك. فمن يعرف متى يرفع الإبريق عن النار يعرف كيف يهدئ نفسه قبل أن تفور.
ومما يُلاحظ أن الغليان قد يرتبط في بعض البيوت بطقس محبب، كأن تقف الجدة أو الأم بجانب الموقد تراقب الإبريق وتحكي حكايات. وإذا كان الحلم يستحضر هذه الصورة فالأغلب أنه يحمل حنيناً وشوقاً إلى دفء مضى، أكثر مما يحمل رسالة عن المستقبل. وهذا الحنين مشروع، ويمكن أن يتحول إلى صلة طيبة بمن بقي من الأهل، أو إلى ذكر من رحل بدعاء. فأجمل ما نفعله مع الذكريات أن نحولها إلى عمل صالح.
وقد يكون في صوت الغليان دلالة على الصبر الذي يُسمع قبل أن يُرى أثره، فالإبريق يهمس قبل أن يفور. وبالمثل تهمس بعض الأمور في حياتنا بعلامات صغيرة قبل أن تتضح، فالحكيم من يلتفت إلى الهمسات ولا ينتظر حتى تتحول إلى صخب. وهذه قراءة تربوية أكثر منها تفسيراً، يستفيد منها كل من يتأمل.
وفي الختام، كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي. والأولى أن يقابل المسلم رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وبذل الأسباب. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما سواه تأمل لا يغني عن التوكل.
