يحدث أن يرى الإنسان في منامه أنه جالس في ضيافة عند أحد، في بيت قريب أو مجلس صديق أو مكتب، فيُقدَّم له الشاي مع حديث ودود ومجاملات. وهذا المشهد مألوف في حياتنا الاجتماعية، ولذلك يتكرر في الأحلام. وهو يختلف عن مشهد المضيف الذي يقدم، لأن الرائي هنا في موضع الضيف المكرَّم. ومع ذلك تبقى الأحلام رموزاً لا وقائع حرفية، ولا يُجزم بمعانيها.
أن يكون الإنسان ضيفاً مكرماً في المنام يرمز إلى القبول والتقدير والمكانة بين الناس، وإلى أن له مكاناً في قلوبهم. والشاي في الضيافة أول ما يُقدم عادة، فهو علامة ترحيب وبسط وجه. وكأن الرؤيا تقول إن في حياة الرائي من يحتفي به أو أنه سيجد استقبالاً حسناً في أمر قادم. وهو أيضاً رمز لراحة الضيف حين يُلقي عن كاهله هموم الطريق.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الضيافة في المنام تدل على خير وبركة، وأن من أُكرم في ضيافة نال حظاً من الدنيا وقبولاً بين الناس، وأن نزول الضيف في البيت قد يدل على رزق. وذهب بعض المفسرين إلى أن الضيف قد يرمز إلى الأمر الطارئ الحسن أو إلى البشرى. ولا بد من القول إن الشاي لم يكن جزءاً من ضيافتهم بالشكل الحالي، فتأويل الشاي في الضيافة قياس على إكرام الضيف من اجتهاد المتأخرين الذين لم يتفقوا على قول واحد.
وتتبدل الدلالة بتبدل صاحب الدار والجو العام، فإن كان المضيف قريباً أو عزيزاً والجو مريحاً فهو مودة وقبول. وإن كان المضيف غريباً أو متكلفاً فقد يدل على علاقة رسمية تحتاج إلى حذر ورزانة. وإن كان الشاي يقدَّم بتأخر أو ببرود فقد يعكس شعوراً بعدم الترحيب الكامل. وإن كان الشاي مع طعام ومائدة عامرة فهو خير وفير وكرم.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الجلوس ضيفة إلى استقبال حسن في مكان جديد كعمل أو دراسة أو أسرة، أو إلى مرحلة تتعرف فيها إلى أناس أعزاء. وقد يعبر عن رغبتها في أن تكون مقبولة ومحبوبة. وإن شعرت بالخجل فهو قلق اجتماعي طبيعي. وليس هذا حكماً على شيء.
وللمرأة المتزوجة، قد يدل على أنس مع الأقارب والجيران وعلى مكانتها بينهم، أو على حاجتها إلى أن تُخدَم وتُكرَم بعد جهد طويل في خدمة غيرها. وللحامل قد يرمز إلى شعورها بعناية الأهل وحفاوتهم، وفيما يخص الشاي والكافيين في الواقع يعود الأمر للطبيب. وللمطلقة قد يدل على قبول اجتماعي واحترام من المحيطين.
وللرجل قد يرمز الجلوس ضيفاً إلى مكانة في مجتمعه وقبول عند الناس، أو إلى لقاء عمل ودي أو إلى مشورة ينتفع بها. وقد يدل على صفقة تتم في جو ودي. وإن كان في مجلس كبير فهو تقدير ومنزلة. وإن كان في ضيافة عند غني فقد يتعلق الأمر بعلاقة منفعة. وكل ذلك ظن لا قطع فيه.
ومن الدقائق التي تحسن ملاحظتها: هل رفض الرائي الشاي أم قبله، فالقبول علامة تواضع وقبول، والرفض قد يدل على تحفظ أو رغبة في الاستقلال. وهل شرب كل الكأس أم تركه، فإتمامه يوحي بإتمام أمر، وترك بعضه قد يوحي باستبقاء حق. وهل ودّع بكلمة طيبة. وهذه الأمور تعطي المعنى عمقاً إنسانياً.
وفي الأعراف الاجتماعية يعدّ قبول الضيافة جزءاً من أدب الزيارة، فلا يصح أن يرفض الضيف كوب الشاي من غير عذر لأن في ذلك كسراً لخاطر المضيف. ولهذا قد يحمل الحلم تذكيراً بآداب الزيارة وتقدير المضيف. وهي عادات اجتماعية جميلة، لا أصل لها في تفسير الغيب.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن حاجة الإنسان إلى أن يُرحَّب به ويُحَسَّ بأنه مرغوب، وقد يكون صدى لزيارة قريبة أو دعوة قادمة. وإن كان الرائي يشعر بالوحدة فربما كان في الحلم إشارة إلى شوق إلى أن يكون بين الناس. ولا بأس أن يبادر بتواصل بسيط مع أحبته.
وهناك من يرى في الضيافة وسيلة لتعزيز الروابط، فمن حضر الدعوة أحسن إلى المضيف كما يحسن المضيف إلى الضيف. وهذا يوحي بالتبادل والتعاون، وأن الكرم لا يكون من طرف واحد. وفي هذا معنى لطيف يمكن أن يفكر فيه الرائي، فيرد الدعوة ويشكر المضيف ويزيد صلة رحمه.
وربما رأى الإنسان أن الشاي في الضيافة قُدِّم له في أوانٍ غير معتادة، كأواني فاخرة أو أكواب قديمة جداً، وفي هذا ما يحمل معنى التقدير إن كانت الفاخرة، ومعنى الأصالة والذكريات إن كانت القديمة. وقد يشير ذلك إلى أنك محل اعتبار خاص عند أحد أو إلى حنين لأيام الأهل الأولى. وكل ذلك قراءة هادئة لا تحمل جزماً، ويكفي أن تحمد الله على نعمة الأنس والأصحاب.
وفي الختام، كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، فلا يُبنى عليه قرار حقيقي في علاقة أو زيارة أو صفقة. والأولى أن يقابل المسلم رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وبذل الأسباب. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه تأمل وتقدير.
