يرى بعض الناس في المنام كوباً من الشاي المثلج تتدلى منه قطرات الندى وتسبح فيه مكعبات الثلج وشرائح الليمون، فيستيقظون بإحساس بالانتعاش أو بتساؤل عن معنى برودته. وهذا الحلم يكثر في فصل الصيف وفي البلاد الحارة حيث يحتاج الجسد إلى الارتواء، فقد يكون صدى بسيطاً للحر والعطش. ومع ذلك فالأحلام ميدان رموز، فلا نحكم عليها بحرفية ولا نجزم بمعنى. وما يلي تأمل لطيف يحتمل الصواب والخطأ.
الشاي بطبيعته مشروب دافئ مرتبط بالأنس، فإذا برد وتحول إلى شراب مثلج تغيرت صورته من الدفء إلى الانتعاش. وهذا التحول قد يحمل في الرمز معنى التهدئة وإطفاء الحرارة، حرارة الغضب أو العجلة أو الخصومة. وقد يدل على انتعاش بعد عناء وارتواء بعد عطش. وفي الوقت نفسه قد ينبه إلى أن شيئاً كان دافئاً في حياتك، كعلاقة أو مشروع، ربما برد قليلاً. ومعرفة أي المعنيين أقرب تعود إلى شعورك في الحلم.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الماء البارد أن الماء الصافي البارد يدل على راحة وصفاء، وأن الثلج يدل على مال لا مشقة فيه عند بعضهم، وعلى برودة أو تأخر في أمر عند آخرين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثلج يدل على أمر يأتي في حينه ولا يطول، لكنه قول عام في الثلج. والشاي المثلج مشروب حديث نسبياً لا يوجد له باب في كتب القدماء، فكل ما يقال هو قياس على الثلج والماء البارد وعلى ما قاله المتأخرون، وقد تفاوتت أقوالهم تفاوتاً كبيراً.
تتنوع دلالات الرؤيا بحسب الشعور، فالمشروب المثلج المنعش الذي يُروي العطش دلالة راحة وانفراج، والمثلج الشديد البرودة الذي يؤلم الأسنان قد يوحي بأمر يصدم أو يتعب لحظة. وإذا ذاب الثلج وتخفف الطعم فقد يدل على أمر يفتر مع الوقت. وإن كان الكوب مزيناً بالنعناع والليمون فقد يشير إلى لمسات انتعاش وبهجة. كما أن سقي الغير منه يوحي بكرم وإدخال سرور.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الشاي المثلج إلى هدوء بعد توتر، أو إلى رغبة في تبريد حماسة زائدة والتفكير بعقل بارد. وقد يدل على لقاء ودي في أجواء مرحة. وإن كان باهت الطعم فقد يشير إلى فتور شعور تجاه أمر ما. وهذا تقدير غير قاطع.
وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى تهدئة جو البيت بعد خلاف صغير، أو إلى حاجتها إلى ارتياح من أعباء ملحّة. وللرجل قد يرمز إلى برود أعصاب في موقف حاد، أو إلى استراحة بعد جهد، وربما إلى تأخر أمر دافئ في عمله أو علاقاته. وللحامل قد يدل على رغبة في الانتعاش والراحة، وأما الأمور الصحية والكافيين في الواقع فمرجعها الطبيب.
ومن التفاصيل المفيدة: مقدار الثلج، ومذاق الكوب، وهل كان في كوب زجاجي أم في عبوة جاهزة. فالكوب المحضّر في البيت يشير إلى جهد شخصي وعناية، والعبوة الجاهزة قد تشير إلى اعتماد على ما يأتي سريعاً من غير كبير جهد. ومقدار السكر قد يعني تلطيف الأمر أو المبالغة فيه. والاستمتاع بالشرب علامة على رضا الرائي.
وفي الجانب النفسي، قد يدل الحلم على حاجتك إلى تهدئة إيقاع أيامك، أو إلى قرار تتخذه بهدوء وبعيداً عن الانفعال. وربما تحتاج إلى استراحة قصيرة في ظل شجرة أو غرفة مكيفة لتجمع شتات أفكارك. فكثيراً ما نحتاج في عز الانشغال إلى كوب بارد وجلسة ساكنة. وليس هذا من الكسل بل من حسن التدبير.
ويمكن أن نقول كذلك إن الشاي المثلج يذكرنا بأن الأمور الحارة تحتاج أحياناً إلى وقت لتبرد قبل أن نتعامل معها، فكما يُترك الشاي ليبرد ثم يُثلج، يترك الإنسان غضبه ليهدأ قبل أن يقرر. فمن رأى هذا الحلم وهو في موقف متوتر، فلعل فيه معنى لطيفاً عن التريث. وهي قراءة تربوية تتعلق بالسلوك لا بالغيب.
ولا ننسى أن في الشاي المثلج جانباً اجتماعياً مرحاً، فهو مشروب الحدائق والنزهات والأصدقاء في أيام الصيف الطويلة. ولذلك قد يكون الحلم به رمزاً إلى لقاءات خفيفة وأوقات ترفيه قريبة، أو إلى حنين لأيام بسيطة مرت. وإن رأيته في مكان مزدحم فقد يشير إلى مجتمع صاخب تحتاج منه إلى استراحة. وهذه معان محتملة تتفاوت بين الناس.
وقد يظهر المشروب المثلج في الحلم لدى من يمر بحالة قلق أو غضب مكتوم، فتأتي الرؤيا بصورة تهدئة رمزية من العقل الباطن. فالنفس أحياناً تصنع لنفسها مشاهد باردة منعشة لتوازن ما تحمله من حرارة. وفي هذا ما يطمئن، فمعناه أن في داخلك قدرة على استعادة السكينة إذا منحتها وقتاً. ويكفي أن تستعين بالدعاء والهدوء والمشي والحديث مع من تثق به.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار حقيقي في أي شأن من شؤون الحياة. والأولى أن يحمد المسلم ربه على نعمة الراحة والارتواء، ويدعو بالخير ويحسن الظن به سبحانه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وسواه تخمين.
