المقهى مكان له حضور خاص في وجدان كثيرين، ففيه تُروى القصص وتُدار الأحاديث ويجتمع الناس على أكواب الشاي والقهوة. فإذا رأى الإنسان في منامه أنه جالس في مقهى يشرب الشاي، فقد يتساءل عن دلالة ذلك. ونذكّر أولًا بأن الأحلام رموز لا تُحمل على ظاهرها، وأن التفسير الذي نذكره قراءة محتملة لا تقطع بشيء. فلنتأمل الصورة بما فيها من حركة وأصوات ووجوه.
المقهى في الرموز مكان عام تتقاطع فيه الطرق، يدل على الاختلاط بالناس وتبادل الأخبار والتعرف على وجوه جديدة. والشاي فيه يدل على الأنس والهدوء وسط الزحام، وكأن الرائي يقتطع لنفسه لحظة سكون في عالم متحرك. وقد يدلّ هذا المشهد على مرحلة ينفتح فيها الرائي على الناس، أو على حاجته إلى أن يخرج من عزلته. وإن كان الكوب مرًّا أو المكان خانقًا فقد يعبّر احتمالًا عن ضيق بالزحام أو أمر يحتاج إلى تأمل، وإن كان الجو ممتعًا فهو أقرب إلى الراحة.
وصراحةً نقول إن الشاي والمقاهي بصورتها المعروفة لم يكونا حاضرين في عصر المعبّرين الأوائل، فلا نجد في كتبهم باب المقهى ولا الشاي. وإنما قاس المتأخرون ذلك على مجالس الناس وأسواقهم وضيافتهم. ونُسب إلى ابن سيرين أن الأسواق في الرؤيا قد تدل على أحوال الناس ومعاشهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن مجالس الناس تدل على الصلة بهم وبأخبارهم. ولا نجزم بنسبة ذلك على التفصيل، وقد اختلفت أقوال المعبّرين بحسب القرائن وأحوال الرائين.
ويتغير المعنى بتغير أحوال المقهى. فالمقهى الهادئ ذو الإضاءة الدافئة أقرب إلى الراحة والتأمل، والمقهى المزدحم الصاخب قد يدل على كثرة المشاغل، والمقهى القديم الشعبي قد يوحي بحنين إلى أيام مضت، والمقهى الحديث قد يوحي بتجدد في العلاقات. ومن جالسك في المقهى قرينة مهمة: صديق قديم يدل على أنس وتواصل، وغريب يدل على تعارف، وجلوسك وحدك يدل على رغبة في الخلوة. وكذلك من الذي دفع الحساب، فقد يشير إلى كرم ومنّة بحسب بعضهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر المشهد عن رغبتها في الانفتاح وتكوين صداقات والتعرف على عالم جديد، وقد يشير إلى مرحلة دراسة أو عمل. وللمرأة المتزوجة قد يعكس حاجتها إلى فسحة ومتنفس بعيدًا عن البيت وأعبائه. وللحامل قد يدل على رغبتها في الهدوء وتغيير الأجواء، وللمطلقة قد يعبّر عن استعادة نشاطها الاجتماعي وثقتها بالخروج بين الناس. وكلها معانٍ نفسية قريبة من حال الرائية.
وأما الرجل فقد يرى في المقهى مجلس نقاش وتبادل أخبار، وربما صفقة أو لقاء عمل يتم الاتفاق عليه على كوب شاي. وقد يعبّر عن رغبته في الراحة بعد العمل أو عن اشتياقه لأيام الأصدقاء. وإن رأى نفسه يتابع الناس من النافذة فقد يكون ذلك دعوة إلى التأمل والتعلم من الناس. ومن رأى أنه يطيل الجلوس دون حاجة فقد يكون ذلك تذكيرًا بأن للوقت قيمة، وأنه يحسن استثماره في ما ينفع.
ومن التفاصيل التي يستأنس بها المعبّر: الموسيقى أو الأصوات المسموعة، وهل كان الجرسون مبتسمًا، وهل كان الكوب نظيفًا، وهل كان الشاي يُقدَّم في كأس زجاجية أو فنجان. فنظافة الكوب علامة على صفاء النية، والخادم المبتسم رمز لتيسير الأمور، والكأس الزجاجية التي يُرى من خلالها لون الشاي توحي بوضوح الأمر. أما الضجيج الشديد فقد يشير إلى تشتت، والهدوء إلى صفاء. ولا يُبالَغ في هذه الدقائق فهي أقرب إلى تلوين المعنى منها إلى تحديده.
وللحلم جانب اجتماعي ونفسي، فالمقهى يمثل مساحة ثالثة بين البيت والعمل يلتقط فيها الإنسان أنفاسه ويتواصل مع غيره. وقد يكون الحلم دعوة إلى الموازنة: أن لا نغرق في العمل فننسى الأصدقاء، ولا نغرق في اللهو فننسى المسؤوليات. ويحسن أن نتخير مجالسنا فنجالس من يذكّرنا بالله ويعين على الخير، وأن نحذر من ضياع الوقت في ما لا ينفع. فالمقهى مكان مباح بحسب ما يجري فيه، وقيمة الجلسة بحسب ما يقال في أثنائها.
ولا بأس بأن يتذكر الرائي أن المقهى في الحلم قد لا يكون مقهى بعينه، بل قد يكون صورة مركّبة من أماكن عرفها في أزمنة مختلفة، فتختلط فيه ملامح مقهى حيّه بمقهى سافر إليه ذات يوم. وهذا التركيب من طبيعة الأحلام، ولذلك لا يُعوَّل على دقة المكان بقدر ما يُعوَّل على الشعور العام الذي ساد المشهد. فإن غلب عليه الأنس فهو خير على سبيل التفاؤل، وإن غلب عليه الضيق فيكفي الدعاء والتروّي.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظنّي لا يرقى إلى اليقين، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في عمل أو علاقة أو مال، فالغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى هذا المنام فليحمد الله، وليدعُ بالخير، وليحسن الظن بربه، وليأخذ بالأسباب المشروعة في أموره. وليكن اطمئنانه إلى الله لا إلى رمز عابر. نسأل الله أن يرزقنا مجالس خير وأصحابًا صالحين ووقتًا مباركًا.
