السهر والشاي صنوان في كثير من المجالس، فمن سهر للدراسة أو للعمل أو للحديث مع الأحبة طلب كوبًا يعينه على اليقظة. فإذا رأى النائم في منامه أنه يشرب الشاي في ساعة متأخرة من الليل، فقد يتساءل هل لذلك معنى خاص. ونبدأ بالتذكير بأن الأحلام رموز لا تُحمل على ظاهرها، وأن ما يُذكر هنا قراءة ظنية قد تصيب وقد تخطئ. فلنقرأ الصورة بروح هادئة لا تخوّف ولا تجزم.
في الرموز يدلّ الليل على الستر والخفاء والسكون وعلى ما يعتمل في الباطن من أفكار، ويدل الشاي على اليقظة والأنس والضيافة. فاجتماعهما في المنام قد يعبّر عن انشغال العقل بأمر لم يُحسم بعد، أو عن رغبة في إتمام عمل يحتاج مزيد صبر، أو عن أنس مع من يسهر معه. ويدل الشاي كذلك على الصبر والتؤدة، فكأنه يقول إن الأمر يحتاج وقتًا. وإن كان الكوب شديد المرارة فقد يشير احتمالًا إلى هم يثقل الصدر، وإن كان معتدلًا فقد يشير إلى توازن بين الجد والراحة.
وصراحةً نقول إن الشاي لم يعرفه العرب في عصر المعبّرين الأول، فلا نجد في كتبهم باب السهر مع الشاي. ولذلك يعتمد المتأخرون على القياس بحسب ما ورد في الليل والأشربة. ونُسب إلى ابن سيرين أن الليل قد يدل على الستر أو على ما يُكتم، وذهب بعض المفسرين إلى أن اليقظة في الليل في الرؤيا قد تكون علامة اهتمام بأمر أو تفكير فيه. وهذه نقول لا نجزم بتفاصيلها، وقد اختلف المعبّرون كعادتهم، فبعضهم يميل إلى التفاؤل وبعضهم إلى التحذير بحسب القرائن.
يتغير المعنى بتغير صورة السهر. فسهر ممتع مع الأصدقاء في حديث ودود أقرب إلى الأنس وصفاء القلوب، وسهر منفرد على كتب أو أوراق قد يدل على جهد وسعي يُرجى ثمره، وسهر قلق على سرير مع كوب بارد قد يدل على اضطراب داخلي. والشاي القوي جدًّا قد يرمز إلى إرهاق وإفراط في الشدّ على النفس، والخفيف قد يرمز إلى سهر لطيف. وإن كان الليل مضاءً بالنجوم أو القمر في الحلم فقد يوحي ذلك بصفاء، وإن كان المكان مظلمًا فقد يحتاج الرائي إلى طمأنة نفسه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر شاي السهر عن انشغال بدراسة أو بمستقبل تفكر فيه ليلًا، وقد يرمز إلى حديث طويل مع صديقة أو فكرة تؤرقها. وللمرأة المتزوجة قد يعكس سهرها على أطفالها أو بيتها أو حرصها على أسرتها، وقد يكون بمثابة اعتراف بتعبها واحتياجها إلى من يشاركها. وللحامل قد يدل على أرق وقلق من الأيام القادمة ورغبة في أن تهدأ. وللمطلقة قد يرمز إلى ليالي تأمل وإعادة ترتيب للحياة، وكلها معانٍ نفسية أكثر منها غيبية.
وأما الرجل فقد يرى فيه إشارة إلى سعي وجدّ في العمل أو تجارة أو دراسة، وربما إلى مسؤولية تُسهره على أمر أهله. وإن جلس مع أصدقائه فقد يرمز إلى قوة الصحبة وتبادل الرأي. ومن رأى نفسه يسهر ثم يغلبه النعاس فيترك الكوب فقد يكون ذلك دعوة إلى أن يريح نفسه ولا يحمّلها فوق طاقتها. ولا يُحمل شيء من ذلك على الجزم، فهو انعكاس لحال النفس أكثر من كونه خبرًا عن المستقبل.
ومن التفاصيل التي يستأنس بها المعبّر: عدد الأكواب، فالكثرة قد تشير إلى إرهاق وإفراط، والقلة إلى اعتدال. وسماع ساعة تدق أو صوت الأذان قبيل الفجر قد يذكّر الرائي بقيمة الوقت وبركة السحر. ولون الشاي الغامق جدًّا قد يشير إلى ثقل الهموم، والفاتح إلى خفة. ووجود قطعة حلوى أو خبز بجانبه قد يدل على أنس. وإن كان الحلم مرتبطًا بسهر حقيقي قبله فلعله مجرد صدى لتلك الليلة ولا يتجاوزها.
وللحلم بعد نفسي وصحي ظاهر، فالإفراط في الشاي والسهر يرهق الجسد ويضعف التركيز، وقد يكون الحلم تنبيهًا لطيفًا من العقل بأن يراجع الإنسان عاداته. فمن اعتاد السهر الطويل فليعدّل وقت نومه، وليجعل شاي الليل خفيفًا، وليقدّم أمر الصلاة والراحة. وفي ذلك بركة في الوقت وصحة في البدن. وللسهر المحمود وجوه، كمذاكرة العلم وصلة الرحم والقيام، فليحسن الإنسان استثمار ليله بما ينفعه.
ويبقى القول إن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظنّي لا يبلغ اليقين، ولا يجوز أن يُتخذ سببًا لقرار حقيقي في العمل أو المال أو غير ذلك، فالغيب لا يعلمه إلا الله. ومن رأى هذا الحلم فليقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وليأخذ بالأسباب الواقعية في أموره، وليجعل للنوم والراحة نصيبهما. وليطمئن قلبه إلى رحمة ربه. نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا ويرزقنا ليالي هادئة وقلوبًا ساكنة.
