الرؤيا في المنام صورة رمزية قد تعكس ما في النفس من أمل وانشغال، وليست خبرًا حرفيًا عما سيقع. وتكرار رؤية البطيخ في عدة ليال مشهد يدعو الرائي إلى التساؤل عن سر عودة هذه الثمرة إلى منامه. والأجدر أن يستقبل الصورة بهدوء، فالتكرار في الأحلام شائع ولا يعني بالضرورة أمرًا خاصًا. وما يلي اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، لا يقطع بشيء من أمر الغيب. وحال الرائي الواقعية وما يشغله هما الأصل في أي فهم.
يدل البطيخ في أصل الرمز على الرزق الوفير والانتعاش والراحة بعد تعب. وهو ثمرة كبيرة تُقسم بين الجالسين، فيوحي بالضيافة والجمع والفرح الموسمي. وحلاوتها المخبوءة داخل القشرة تذكّر بأن بعض الخير يحتاج إلى فتح وصبر. وإذا تكررت الصورة فقد تُفهم عند بعضهم على أنها تأكيد لمعنى الأمل والانتظار في نفس الرائي. وكل ذلك احتمالات عامة تتبدل بتبدل السياق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الحلوة الطرية تدل على خير قريب وراحة في الحال لمن يراها في أوانها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتكرر من الرؤى يرتبط غالبًا بما يشغل صاحبه ويستقر في نفسه، وأن للتكرار أثرًا في تقوية المعنى. ويختلف المعبّرون في تفصيل التكرار، فمنهم من يراه تأكيدًا ومنهم من يراه مجرد انشغال. والبطيخ المتكرر تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أكثر شهرة، فيُرجع في فهمه إلى القواعد العامة وحال الرائي. ولا ينبغي أن يُعامل أي قول قديم على أنه حاسم.
يتغير المعنى بحسب هيئة التكرار. فإذا تكررت الصورة نفسها بالتفاصيل نفسها فقد يُفهم ذلك أمرًا عالقًا في النفس يحتاج إلى التفكير. وإذا تكرر البطيخ في مشاهد مختلفة فقد يعبّر ذلك عن شعور عام بالأنس أو الشوق. وإذا تكرر في موسمه الطبيعي فقد يكون أثرًا بسيطًا لما يراه الرائي ويأكله في يقظته. وإذا تكرر في غير موسمه فقد يحتاج الرائي إلى التأمل فيما يشغله أكثر من الثمرة نفسها.
وللرائية العزباء قد يُفهم تكرار الصورة أملًا يلازم خاطرها وحاجتها إلى طمأنينة وصبر. وللمتزوجة قد يتصل بانشغالها بأمور بيتها وأسرتها وما تدبره لهم. وللحامل قد يكون انعكاسًا لاشتهاء الطعام أو للترقب في تلك المرحلة، وهو تأمل رمزي لا صلة له بأي معلومة طبية، والمرجع في صحتها طبيبها. وللمطلقة والأرملة قد يشير إلى حاجتها إلى الأنس والسكينة التي تعاودها صورتها.
وللرجل والشاب والطالب والتاجر معانٍ قريبة. فالرجل قد يُفهم من التكرار عنده أمرًا في العمل أو الأسرة يشغل باله. والشاب قد يعبّر ذلك عن طموح ملازم له. والطالب قد يعني عنده موسمًا دراسيًا يتكرر فيه التفكير في الراحة. والتاجر قد يعني عنده انشغالًا بالبضاعة وتقلب الأسعار، وكلها قراءات احتمالية لا أكثر.
ومن التفاصيل الدقيقة ما يتغير بين مرة وأخرى. فإذا تغير حال الثمرة من ليلة إلى أخرى فقد يُقرأ ذلك على أنه تبدل في حال الرائي النفسية. وإذا اقترنت كل مرة بشخص معين فقد يتصل المعنى بعلاقة معه، دون أي اتهام لأحد. وإذا كان شعور الرائي يتغير بين ارتياح وقلق فقد يعبّر ذلك عن تقلب مزاجه. وإذا بقيت الصورة على حالها فقد يدل على أمر مستقر في خاطره.
ومن الزاوية النفسية العملية فإن تكرار الأحلام يرتبط كثيرًا بما يشغل الإنسان في يقظته من أفكار وأطعمة ومواسم ومشاعر. وقد يكون في الصورة المتكررة دعوة لطيفة إلى الالتفات لما في النفس من شوق أو قلق أو أمل. والأنفع أن يكتب الرائي ما يشغله، وأن يتحدث إلى من يثق به، وأن ينظم نومه وأكله. وإذا أزعجه التكرار أو أرقه فيستحسن أن يستشير مختصًا.
وقد يكون التكرار في الحلم أمرًا طبيعيًا لا معنى خاصًا له، فالدماغ يعيد ما تعلق به من الصور. وقد يكون الرائي رأى البطيخ أو سمع عنه كثيرًا في أيامه فعاد إلى منامه. فإذا ارتاح الرائي للصورة فلا بأس بتفاؤل معتدل، وإذا لم يرتح فلا يشغل باله بها. ومن الفوائد البسيطة لها أن النفس تحتاج أحيانًا إلى الانتباه لما اعتادت أن تهمله من راحتها.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب والتأني. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا وبركة في أمره. فإن كان في الحلم ما أفرحه فليحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقه فلا يجعله سببًا للهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
