الرؤيا في المنام صورة رمزية قد تعكس ما في النفس من أمل وانشغال، وليست خبرًا حرفيًا عما سيقع. ورؤية البطيخ في منام بعد الظهر، وهو وقت القيلولة والحر عند كثيرين، مشهد يربط بين الراحة والثمرة المنعشة. والأجدر أن يستقبل الرائي الصورة بهدوء، فلا يجعل لوقتها أثرًا قاطعًا في المعنى. وما يلي اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، لا يقطع بشيء من أمر الغيب. وحال الرائي الواقعية وما يشغله هما الأصل في أي فهم.
يدل البطيخ في أصل الرمز على الرزق الوفير والانتعاش والراحة بعد تعب. وهو ثمرة كبيرة تُقسم بين الجالسين، فيوحي بالضيافة والجمع والفرح الموسمي. وحلاوتها المخبوءة داخل القشرة تذكّر بأن بعض الخير يحتاج إلى فتح وصبر. وفترة ما بعد الظهر ترتبط في الأذهان بالحرارة والاستراحة بعد جهد النهار، فإذا اجتمعت مع الثمرة فقد تُفهم عند بعضهم أنها راحة تأتي بعد تعب. وكل ذلك احتمالات عامة تتبدل بتبدل السياق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الحلوة الطرية تدل على خير قريب وراحة في الحال لمن يراها في أوانها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن وقت الرؤيا قد يكون له أثر في تأويلها عند بعض المعبّرين، وأن النوم في النهار أكثر تأثرًا بحال الجسد وما حوله. ويختلف المعبّرون في قيمة وقت الرؤيا، فمنهم من يعتني به ومنهم من يرى أن المعنى يرجع إلى الصورة وحال الرائي. والبطيخ بعد الظهر تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أكثر شهرة، فيُرجع في فهمه إلى القواعد العامة. ولا ينبغي أن يُعامل أي قول قديم على أنه حاسم.
يتغير المعنى بحسب ما رافق الصورة من تفاصيل. فإذا كان الجو دافئًا والرائي مستريح تحت ظل فقد يُفهم ذلك راحة وسكينة بعد انشغال. وإذا كان يتناول الثمرة مع أهله في جلسة عائلية فقد يعبّر ذلك عن ألفة وأنس. وإذا كان يشعر بالعطش في الحلم فقد يرتبط ذلك بحاجة جسده الفعلية إلى الارتواء أكثر من أي رمز. وإذا كان يتجول في السوق وقت الحر فقد يرتبط بسعي وتدبير يومي.
وللرائية العزباء قد يُفهم ظهور الثمرة بعد الظهر أنسًا هادئًا في أثناء يومها، وحاجتها إلى فسحة من الراحة. وللمتزوجة قد يتصل بوقت الفراغ القصير بعد أعمال البيت. وللحامل قد يكون انعكاسًا لاشتهاء الانتعاش في الأيام الحارة، وهو تأمل رمزي لا صلة له بأي معلومة طبية، والمرجع في صحتها طبيبها. وللمطلقة والأرملة قد يشير إلى أنس يعلق بالنفس وسكينة تتجدد في وسط النهار.
وللرجل والشاب والطالب والتاجر معانٍ قريبة. فالرجل قد يُفهم من الصورة عنده حاجة إلى استراحة بعد عمل متواصل. والشاب قد يعبّر ذلك عن أنس مع الأصدقاء في إجازة. والطالب قد يعني عنده فسحة بين فترتين من المذاكرة. والتاجر قد يعني عنده تفكيرًا في السوق وقت الحر وركود الحركة، وكلها قراءات احتمالية لا أكثر.
ومن التفاصيل الدقيقة حال الثمرة والمكان. فإذا كانت باردة منعشة فقد يُقرأ ذلك على أنه ارتياح. وإذا كانت مقطعة في طبق على مائدة فقد يوحي ذلك بضيافة وفرح. وإذا كانت في حقل تحت شمس شديدة فقد يدل على خير موسمي يأتي بعد صبر على الحر. وإذا كان طعمها حلوًا فقد يعبّر ذلك عن طمأنينة.
ومن الزاوية النفسية العملية فإن نوم القيلولة يتأثر كثيرًا بحال الجسد والمحيط، كالحرارة والعطش والجوع والأصوات القريبة. وقد يكون البطيخ صورة عابرة اقتربت من عطش حقيقي أو من كلام عن الطعام سُمع قبل النوم. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تأويل بعيد. والأنفع أن يعتني الرائي بشرب الماء وتنظيم وقته وراحته، فذلك أجدى من تتبع الصور.
وقد يكون ظهور البطيخ بعد الظهر أمرًا طبيعيًا لا معنى خاصًا له، فكثير من أحلام القيلولة تأتي بصور بسيطة قصيرة. فإذا ارتاح الرائي للصورة فلا بأس بتفاؤل معتدل، وإذا لم يرتح فلا يشغل باله بها. ومن الفوائد البسيطة لها أن في اليوم فسحات للراحة يحسن اغتنامها دون إفراط. وهذا المعنى التربوي العام يمكن أن يأخذه الرائي دون بناء توقع محدد.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب والتأني. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا وبركة في أمره. فإن كان في الحلم ما أفرحه فليحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقه فلا يجعله سببًا للهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
